ألقى رئيس هيئة التحرير الدولية لموقع WSWS، ديفيد نورث، هذه الكلمة لافتتاح التجمع الإلكتروني لعيد العمال 2026، الذي نظمه موقع WSWS واللجنة الدولية للأممية الرابعة.
أيها الرفاق والعمال والشباب والأصدقاء المؤيدون للجنة الدولية للأممية الرابعة، اجتمعتم اليوم في جميع أنحاء العالم: نفتتح مسيرة عيد العمال هذه بإعلان تضامننا مع جميع الذين يقفون اليوم في الصفوف الأمامية للمقاومة ضد العنف الإمبريالي والرجعية الرأسمالية.
إننا ندين، باسم الطبقة العاملة العالمية، الحرب العدوانية الإمبريالية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل، بدعم من جميع القوى الإمبريالية الأخرى، ضد إيران. لا مجال للتردد في موقف الطبقة العاملة من هذه الحرب: فهي تؤيد بلا قيد أو شرط حق الشعب الإيراني في الدفاع عن وطنه ضد الهجمة الإرهابية التي انطلقت في 28 شباط /فبراير 2026. إنها حرب تنتهك جميع مبادئ القانون الدولي، وجريمة ضد السلام، والتي عُرّفت في محاكمات نورمبرغ لقادة النازية في عامي 1945-1946 بأنها الجريمة الدولية الأكثر شناعة.
في السابع من أبريل/نيسان، أعلن ترامب في بيان مكتوب: 'ستموت حضارة بأكملها الليلة، ولن تعود أبداً. ستبقى تلك الكلمات وصمة عار في التاريخ. كان هذا التهديد المروع أبشع تعبير سياسي عن الهمجية التي شنتها الولايات المتحدة وكلابها الإسرائيلية الصهيونية في هذه الحرب.
منذ بداية الحرب، استُهدف أكثر من 13 ألف هدف في إيران. وقُتل ما لا يقل عن 3375 إيرانياً، بينهم 376 طفلاً. وتجاوز عدد الجرحى 26 ألفاً.
إن قصف المدن الإيرانية، واغتيال علمائها وقادتها السياسيين وعائلاتهم، وقتل الأطفال، وتدمير البنية التحتية الإيرانية، وإغراق منطقة بأكملها في أتون الحرب، كلها أعمال متعمدة من قِبَل قوى إمبريالية تسعى إلى فرض هيمنتها عبر القتل الجماعي.
ندين، بنفس القوة، اعتداء الإبادة المستمر على الشعب الفلسطيني في غزة وعلى الشعب اللبناني. إن الجرائم التي ترتكبها الدولة الإسرائيلية، بدعم كامل ومشاركة فعّالة من الولايات المتحدة والقوى الأوروبية - قتل عشرات الآلاف من الأطفال الفلسطينيين، والتدمير المتعمد للمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والمساكن، واستخدام التجويع كسلاح حرب - تشكل فظائع تثبت بشكل قاطع الطابع الرجعي التاريخي للمشروع الصهيوني القومي العرقي.
نُحيي اليوم ذكرى الضحايا المجهولين الذين قُتلوا في مياه سواحل أمريكا اللاتينية، وهم أكثر من 180 صياداً وعاملاً، تناثرت أشلاؤهم على متن قواربهم الصغيرة جراء صواريخ أمريكية في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، فيما يُطلق عليه البنتاغون بسخرية 'ضربات استباقية' ضد تهريب المخدرات. لم تُذكر أسماء الضحايا في الصحافة الإمبريالية، ولم تتلقَ عائلاتهم أي اعتذار أو تعويض أو حتى اعتراف بوجودهم. إذ كانوا عمالاً سعوا لإطعام أسرهم، فذُبحوا على يد أقوى جيش في العالم في حملة إرهابية ضد شعوب أمريكا اللاتينية.
نُدين الحصار المفروض على كوبا، والخنق المتعمد لشعب بأكمله من خلال قطع الوقود والعقوبات. حتى بعد مرور ثلثي قرن، لم تُصالح الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة نفسها مع الثورة الكوبية. بين عامي 1959 و1960، صادر نظام كاسترو أصولاً لشركات أمريكية بقيمة 1.8 مليار دولار. وفي نفس الضربة، فككت الثورة إمبراطورية المافيا التي ازدهرت في ظل دكتاتورية باتيستا.
أُغلقت الكازينوهات، وأُمّمت الفنادق، وسُجن رجال العصابات أو طُردوا، ومُحيت استثمارات المافيا التي قدّرت بنحو 100 مليون دولار من السجلات بين ليلة وضحاها. والأسوأ من ذلك، أن النظام الثوري تجرأ على إغلاق بيوت الدعارة التي استقبلت السياح الأمريكيين الأثرياء، والعسكريين، وكبار المديرين التنفيذيين، وأعضاء الكونغرس الأمريكي. لم يغفر الاستعمار الأمريكي للشعب الكوبي هذه الوقاحة، وهذا التعدي غير المبرر على امتيازاته.
ندين اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي اختُطف في حملة قصف في كاراكاس في 3 يناير/كانون الثاني، وسُلّم إلى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وشركتي شيفرون وشل اللتين تنهبان النفط - وهو عمل سافر من أعمال القرصنة الاستعمارية. جسّدت تلك الجرائم الفوضى التي تسود العالم اليوم. لقد انكشف زيف 'النظام الدولي القائم على القواعد' الذي تتحدث عنه القوى الاستعمارية بكل خشوع، واتضح أنه مجرد خدعة ضخمة. القانون الوحيد الساري هو قانون القوة، الذي تمارسه أقلية رأسمالية لا تعترف بأي قيد، أو حدود، أو دستور، أو محكمة، أو حياة بشرية تقف في طريق مصالحها.
في هذا العيد الوطني، نعرب عن تضامننا مع جميع العمال الذين يقعون اليوم ضحايا اضطهاد الحرب الطبقية، أولئك الذين اعتُقلوا ووُضعوا على القوائم السوداء وفُصلوا من وظائفهم ورُحِّلوا، ولُفِّقت لهم التهم، وسُجنوا بتهمة مقاومة الاستغلال أو معارضة الحرب أو الدفاع عن الحقوق الديمقراطية للطبقة العاملة.
نُرسل تحياتنا إلى رفيقنا، بوغدان سيروتيوك، الزعيم التروتسكي الأوكراني الشاب لحرس الشباب البلشفي اللينيني، الذي سُجن لأكثر من عامين على يد نظام زيلينسكي لمعارضته الشجاعة للحرب التي حرض عليها حلف الناتو ودفاعه عن وحدة العمال الروس والأوكرانيين. وقد فند دفاعه القانوني بشكل قاطع ادعاءات المدعين العامين الأوكرانيين بأن بوغدان مؤيد للغزو الروسي. وتُفند تصريحات بوغدان المنشورة على موقع الشبكة الاشتراكية العالمية التهم الموجهة إليه. إنه معارضٌ شرسٌ لنظام بوتين الرأسمالي، تماماً كما هو معارضٌ لحكومة زيلينسكي العميلة للإمبريالية. ندعو الطبقة العاملة إلى النضال من أجل حرية بوغدان.
نتضامن مع قادة الطبقة العاملة المسجونين في تركيا. نطالب بالإفراج الفوري عن محمد تركمان، رئيس اتحاد عمال النسيج والحياكة والجلود (BİRTEK-SEN)، الذي اعتُقل في منتصف مارس/آذار ويواجه الآن السجن والحظر السياسي بتهمة 'جريمة' إخبار العمال بالحقيقة حول تواطؤ الشركات والدولة وبيروقراطية النقابات. نُرسل تحياتنا إلى باشاران أكسو، القائد الشجاع لاتحاد عمال المناجم المستقل (Bağımsız Maden-İş) والمنسق التنظيمي لاتحاد عمال المناجم المستقل (Umut-Sen)، الذي قاد المسيرة التاريخية لعمال منجم دوروك من إسكي شهير إلى أنقرة، والذي اعتُقل مراراً في الآونة الأخيرة. نُرحب بحماس بنبأ تحقيق مطالب عمال المناجم.
لكن النضال مستمر. نطالب بالإفراج عن إسراء إيشيك، الزعيمة الشابة التي تدافع عن الغابات وسبل عيش القرويين في وجه نهب شركات التعدين، وعن جميع سجناء الحرب الطبقية المحتجزين لدى نظام أردوغان. إن اعتقالهم جزء من هجوم متعمد تشنه الطبقة الحاكمة التركية ضد حركة عمالية مستقلة ناشئة، وهو هجوم اشتدّ مع انزلاق تركيا أكثر فأكثر في الحرب الإمبريالية ضد إيران.
في الولايات المتحدة، لا تتوقف ملاحقة المهاجرين. نعلن تضامننا مع هيام الجمال وأطفالها الخمسة، الذين يتعرضون الآن لحملة عقاب جماعي من قِبل إدارة ترامب. في تحدٍّ سافر لأوامر قضائية عديدة، تواصل إدارة ترامب مساعيها لترحيلهم. إن اضطهاد هذه العائلة، التي لم ترتكب أي جرم، بمنزلة تحذير للطبقة العاملة بأسرها: أنه لن يُسمح لأي حماية دستورية، أو أمر قضائي، أو حق ديمقراطي، أن يقف في وجه أساليب الدولة البوليسية التي تُعدّ الآن ضد جميع العاملين في الولايات المتحدة، مواطنين وغير مواطنين على حد سواء.
ولذلك نطالب بالإفراج الفوري غير المشروط عن كل عامل مهاجر، وكل طالب، وكل رجل وامرأة وطفل اعتُقل في حملة تفتيش واسعة النطاق لهيئة الهجرة والجمارك الأمريكية، المحتجزين حالياً في شبكة معسكرات الاعتقال المنتشرة في جميع أنحاء الولايات المتحدة. نقول: أغلقوا نورث ليك. أغلقوا ديلي. أغلقوا فولكستون، وأوتاي ميسا، وكروم، و'ألكاتراز التمساح'، وكل منشأة يُحتجز فيها البشر دون تهمة، ودون محاكمة، ودون أمل. إن النضال من أجل تحرير المحتجزين هو نضال من أجل الدفاع عن الحقوق الديمقراطية للطبقة العاملة بأكملها.
وأخيراً، نجدد اليوم تعازينا لأسر رينيه نيكول غود وأليكس بريتي، اللذين قُتلا برصاص عناصر هيئة الهجرة والجمارك الأمريكية ودوريات الحدود في مينيابوليس. لن يُنسى مقتلهما. ولن تذهب تضحياتهما سدى.
إنّ معارضة الحرب الإمبريالية، والدفاع المستميت عن الحقوق الديمقراطية، والنضال ضدّ جميع أشكال القمع الطبقي، هي ما يُحفّز احتفالنا بعيد العمال. وبهذه الروح نفتتح مسيرة اليوم.
مع ذلك، يجب ألا يقتصر الاحتفال بعيد العمال على إعلانات التضامن الدولي، بل يجب أن يكون أيضاً مناسبةً لتحليل موضوعي للوضع العالمي الراهن، إذ تُصاغ استراتيجية الطبقة العاملة على أساس هذا التحليل. وتكتسب هذه المهمة اليوم أهميةً قصوى، إذ يُحتفل بعيد العمال هذا في خضمّ مرحلة حرجة من أزمة النظام الرأسمالي العالمي.
الحرب على إيران وذروة 35 عاماً
تُمثّل الحرب على إيران ذروة 35 عاماً من التاريخ، بدأت بتفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991.
لا يمكن فهم الحرب على إيران كحدثٍ منفصل، ولا كسياسة رئيسٍ بعينه، ولا كمجرد نتاجٍ للوبي الإسرائيلي. فالنظام الإسرائيلي وجماعات الضغط التابعة له في الولايات المتحدة، بطبيعة الحال، حرضوا على الحرب ضد إيران منذ عقود. لكن الرواية المتداولة حالياً لدى اليمين القومي المعادي للسامية، والمعروف بشعار 'أمريكا أولاً'، وبعض شرائح اليسار الزائف من الطبقة الوسطى، التي تزعم أن الحرب فُرضت على المؤسسة السياسية الخارجية الأمريكية المترددة، من قِبل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) ونتنياهو والدولة الإسرائيلية، هي روايةٌ زائفة تماماً، وتُستخدم كذريعةٍ للإمبريالية الأمريكية. فهي توحي بأنه لولا إسرائيل، لكانت السياسة الخارجية للولايات المتحدة زاخرةً بالخير.
حرفت تلك الرواية السخيفة حركة مناهضة الحرب بعيداً عن النضال ضد الإمبريالية الأمريكية - القوة الرئيسية المضادة للثورة في العالم - باتجاه التوصل إلى حلولٍ وسطٍ معها. وهي توحي بأنه لا يلزم سوى إزالة نفوذ الصهاينة.
تنهار هذه الأسطورة السياسية بمجرد إلقاء نظرة سريعة على السجل التاريخي. أولاً لا تحتاج الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة إلى نصيحة، فضلاً عن تحريض، من أي جهة حول كيفية ووقت استخدام العنف الدموي. فهي الخبيرة الأبرز في العالم في تنظيم العنف الجماعي، ولها سجل دموي يعود إلى الإبادة الجماعية في الفلبين في العقد الأول من القرن العشرين، والجهود الهمجية لقمع الثورة المكسيكية في العقد الثاني من القرن الماضي، والغزوات المتكررة لأمريكا الوسطى والجنوبية، وإلقاء قنبلتين ذريتين على اليابان، ومقتل ثلاثة ملايين كوري بين عامي 1950 و1953، وعدد مماثل من الفيتناميين بين عامي 1961 و1973. ناهيك عن جميع الحروب التي شُنّت في الشرق الأوسط خلال الثلاثين عاماً الماضية.
لتصحيح الحقائق التاريخية، فإن إسرائيل نفسها من صنع الولايات المتحدة، التي سلحتها وموّلتها على مدى 78 عاماً. وعملت كمركز عسكري متقدم للإمبريالية الأمريكية في الشرق الأوسط.
ناهيك عن أن الإمبريالية الأمريكية ما تصالحت قط مع الثورة الإيرانية عام 1979، التي أطاحت بالنظام العميل الذي ترأسه الشاه، الذي عاد إلى السلطة بانقلاب عام 1953 الذي دبرته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
صُنفت إيران ضمن أبرز الخصوم في جميع بيانات استراتيجية الأمن القومي الأمريكي منذ عام 2006. وكانت هدفاً لعمليات سرية، وعقوبات على نظامها، واغتيالات، وتهديدات عسكرية في عهد إدارات كلينتون، وبوش، وأوباما، وفترة ترامب الأولى، وبايدن، والآن في العهد الثاني لترامب. إن الحرب على إيران هي ذروة سياسة الإمبريالية الأمريكية التي حظيت بدعم الحزبين، واستمرت لأكثر من ثلاثة عقود.
لكن من حيث الجوهر، لا تُعدّ الحرب الإمبريالية مجرد نتاج لقرارات ذاتية، أو تأثيرات شريرة، أو سياسات خاطئة. بل هي نتيجة ولتناقضين جوهريين في النظام الرأسمالي نفسه وتعبير عنهما: أولهما، التناقض بين الملكية الخاصة لقوى الإنتاج والطابع الاجتماعي للإنتاج؛ وثانيهما، التناقض بين الطابع العالمي للإنتاج الاقتصادي ونظام الدولة القومية الذي لا تزال السلطة السياسية وتراكم رأس المال يُنظّمان ضمنه. لقد دمجت عولمة الإنتاج على مدى العقود الخمسة الماضية عمل العمال في كل قارة ضمن عملية عالمية واحدة، تربطها سلاسل التوريد، والتدفقات المالية، وشبكات المعلومات ذات الكثافة غير المسبوقة.
وأكّد مسار التطور الاقتصادي والسياسي برمته على مدى السنوات الخمس والثلاثين الماضية هذا التحليل الماركسي لديناميكية الأزمة العالمية.
أعلنت الطبقة الحاكمة الأمريكية تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 انتصاراً تاريخياً للرأسمالية. وزعمت أن ما أسمته 'فشل الاشتراكية' مهد الطريق لإعادة العالم الرأسمالي إلى ما كان عليه قبل ثورة أكتوبر الاشتراكية. كما زعمت أن كل ما حدث في أعقاب الثورة - من صعود الطبقة العاملة العالمية، والحركة العالمية الهائلة للجماهير المضطهدة ضد الإمبريالية، والمكاسب الاجتماعية التي تحققت بعد هزيمة ألمانيا النازية عام 1945 وانتصار الثورة الصينية عام 1949 - سيُعكس.
إلا أن هذه النظرة الكابوسية كانت مبنية على تقييم خاطئ لأسباب تفكك الاتحاد السوفيتي وأهميته العالمية. فما فشل في الاتحاد السوفيتي لم يكن الاشتراكية، بل النظام الستاليني للقومية المعادية للاشتراكية، الذي كان بمنزلة رفض للأممية الماركسية التي ألهمت ثورة أكتوبر. لقد أثبت البرنامج الستاليني 'الاشتراكية في بلد واحد'، الذي فصل بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي عن النضال الدولي للطبقة العاملة ضد الرأسمالية العالمية، أنه مفلس اقتصادياً وسياسياً.
استناداً إلى تحليل تروتسكي لخيانة ستالين لثورة أكتوبر، تنبأت اللجنة الدولية للأممية الرابعة بوضوح بعواقب السياسات القومية للبيروقراطية السوفيتية إذ صرّحت عام 1987، أي قبل أربع سنوات من تفكك الاتحاد السوفيتي:
لا يمكن حلّ نقص التكنولوجيا والتناقضات المستمرة بين الصناعة والزراعة إلا من خلال الوصول إلى السوق العالمية. ولا يوجد سوى طريقين لاندماج الاتحاد السوفيتي في تلك السوق: طريق غورباتشوف المؤدي إلى إعادة الرأسمالية، وطريق الثورة الاشتراكية العالمية.
سلك غورباتشوف الطريق الأول. وكان تفكك الاتحاد السوفيتي فيكانون الأول/ ديسمبر 1991 تتويجاً لتلك الخيانة: فالبيروقراطية الستالينية، التي بدأت كحفّاري قبور ثورة أكتوبر، انتهت كأكثر فصائل الأوليغارشية الروسية الجديدة فساداً وجشعاً، التي يقودها اليوم بوتين.
بالنسبة للإمبريالية الأمريكية، أنتج التناقض الجوهري نفسه استجابة مختلفة، لكنها ما كانت خياراً حراً أكثر مما كان عليه الحال مع انهيار ستالين. ففي مواجهة التآكل الحتمي لهيمنتها الاقتصادية - صعود المنافسين الصناعيين اليابانيين والألمان، وبروز الصين كقوة اقتصادية وصناعية جبارة، وتراجع الصناعة المحلية، وتزايد أعباء العجز التجاري وعجز الموازنة - لم تستطع الرأسمالية الأمريكية استعادة مكانتها بالوسائل الاقتصادية. وكانت الأداة الوحيدة التي لا تزال تمتلكها بتفوق ساحق هي القوة العسكرية.
أدت العقود الثلاثة التالية من النزعة العسكرية إلى تدمير العراق ويوغوسلافيا وأفغانستان وليبيا وسوريا وأوكرانيا وغيرها من الدول. وعلى الرغم من أنها كلفت ملايين الأرواح، ودمرت مجتمعات بأكملها، وخلقت أكبر أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية، إلا أن هذه الحروب انتهت بهزائم نكراء، وفشلت في تغيير مسار الإمبريالية الأمريكية.
أحدثت القنابل والصواريخ الأمريكية دماراً هائلاً في جميع أنحاء العالم. لكن بالتوازي مع العمليات العسكرية للإمبريالية الأمريكية، تفاقمت أزمة الرأسمالية الأمريكية والعالمية. ورافق هذا التوسع الإمبريالي سلسلة من الأزمات المالية المتفاقمة: أزمة البيزو المكسيكي عام 1994، والأزمة الآسيوية عام 1997، وتخلف روسيا عن سداد ديونها، وانهيار شركة إدارة رأس المال طويل الأجل عام 1998، وانهيار فقاعة الإنترنت عام 2000، والأزمة المالية العالمية عام 2008، وأزمة الديون السيادية الأوروبية بين عامي 2010 و2012، وصدمة جائحة 2020، والمؤشرات المتراكمة لأزمة النظام المعتمد على الدولار منذ عام 2022.
إن أبرز مظاهر الأزمة العالمية التي تتمحور حول الولايات المتحدة وأكثرها خطورة هو النمو الهائل للدين الوطني. فقد بلغ حوالي 5.8 تريليون دولار عام 2001، ويقترب الآن من 40 تريليون دولار. ومن المظاهر الأكثر أهمية تاريخياً واقتصادياً لأزمة الرأسمالية الأمريكية هو سعر الذهب. ففي مؤتمر بريتون وودز عام 1944، الذي رسخ مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية، حُددت قيمة أونصة الذهب عند 35 دولاراً.
استمر ذلك السعر حتى نقضت إدارة نيكسون نظام بريتون وودز عام 1971. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع مطرد في سعر الذهب، الذي اتخذ خلال العام الماضي منحىً متفجراً. بلغ سعر أونصة الذهب حالياً حوالي 4600 دولار. بعبارة أخرى، انخفضت قيمة الدولار مقارنةً بالذهب، الذي استُخدم لآلاف السنين كمقياس للقيمة، بأكثر من 99% فيما يزيد قليلاً عن نصف قرن.
هذا هو الإطار الذي يجب فهم السنوات الخمس والثلاثين الممتدة من 1991 إلى 2026 في إطاره. فهي تُشكل عملية تاريخية واحدة تمثلت في محاولة الرأسمالية الأمريكية التغلب، من خلال استخدام العنف العسكري، على تناقض عجزت عن التغلب عليه بالوسائل الاقتصادية. تُعدّ الحروب أجزاءً من مسار متصل، مدفوع بالتناقض نفسه الذي لم يُحل بين الاقتصاد العالمي ونظام الدولة القومية، وهو التناقض الذي أدى إلى الحربين العالميتين في القرن العشرين.
حرب في الخارج وديكتاتورية في الداخل
لكن الحرب ضد إيران ليست مجرد حلقة أخرى في سلسلة طويلة من العمليات العسكرية. إذ أضفت تداعيات هذه الحرب على هذا الصراع طابعاً عالمياً واضحاً، وتحديداً حرباً عالمية تشنها القوى الإمبريالية ضد الطبقة العاملة العالمية. منذ 13 أبريل/نيسان، فرضت البحرية الأمريكية حصاراً على الموانئ الإيرانية في الخليج العربي. ويشعر الآن مليارات البشر، الذين لم يكن لهم أي دور في بدء هذه الحرب، بآثارها.
ويتمثل أخطر آثار الحرب في الأمن الغذائي في العالم النامي. سيؤدي الحصار إلى تفاقم المجاعات المستعرة بالفعل في غزة والسودان، وانتقال دول أخرى من حالة الأزمة إلى مستويات طارئة أو كارثية من انعدام الأمن الغذائي، وزيادة معدلات الوفيات بين الأطفال وكبار السن في العديد من البلدان خلال الأشهر الـ 12 إلى 18 القادمة.
هذه العواقب هي نتيجة مباشرة لقرارات اتُخذت في واشنطن وفي القدس. سيدفع ثمن هذه القرارات، جوعاً وأرواحاً، مزارعون في شرق أفريقيا، وعائلات في جنوب آسيا، وأطفال في دول لم يكن لها أي دور في الصراع الأصلي.
كشفت الحرب على إيران ليس فقط عن الأهداف العدوانية للإمبريالية الأمريكية في الخارج، بل كشفت أيضاً عن الواقع الاجتماعي والسياسي للنظام الذي يمارسها في الداخل. ترامب هو نتاج وتجسيد وذروة عملية طويلة الأمد - اقتصادية واجتماعية وسياسية - متجذرة في انهيار الرأسمالية الأمريكية وفساد طبقتها الحاكمة.
يجري الآن إعادة هيكلة النظام السياسي للولايات المتحدة بما يتماشى مع أساسه الاجتماعي أي هيمنة أقلية صغيرة تسيطر على ثروة هائلة وتعتبر جميع القيود القانونية والديمقراطية والأخلاقية عوائق لا تُطاق أمام مصالحها. إن صعود ترامب هو تعبير عن هذا الواقع.
تُموَّل الحرب ضد إيران عبر هجومٍ مباشر على الحقوق الاجتماعية للطبقة العاملة. طلب مشروع ميزانية ترامب للسنة المالية 2027 ما قارب 1.5 تريليون دولار لـ'الدفاع'، وهو أعلى مستوى إنفاق عسكري في التاريخ الأمريكي الحديث، وتصعيدٌ هائلٌ للاستعدادات ليس فقط للحرب ضد إيران، بل لحربٍ عالمية ضد الصين وروسيا. هذه، بالمعنى المباشر، ميزانيةٌ لحربٍ عالمية.
كيف سيتم تمويل هذا؟ أجاب ترامب نفسه بصراحةٍ مُرّة. أعلن أنه يجب التضحية بالبرامج الاجتماعية لأن 'نحن نخوض حروباً'، وأصرّ: 'لا يُمكننا رعاية الأطفال، أو برنامجَي ميديكيد وميديكير... علينا الاهتمام بشيءٍ واحد: الحماية العسكرية'. سيتم نهب برامج ميديكير وميديكيد والضمان الاجتماعي والتعليم والإسكان، وكلّ ما ناضلت به الطبقة العاملة من حمايةٍ اجتماعيةٍ على مدى القرن الماضي، لتمويل النزعة العسكرية، وإثراء الأوليغارشية، وجهاز الدولة القمعي.
ما يحدث في الولايات المتحدة ليس مجرد أزمة سياسية وطنية، بل هو اضطراب ذو دلالة تاريخية عالمية. فالولايات المتحدة، التي اعتُبرت سابقاً ركيزة استقرار الرأسمالية العالمية، أصبحت المصدر الأكبر لعدم الاستقرار العالمي. إن انهيار الأنظمة الديمقراطية في الولايات المتحدة، والتحول إلى عصابات مكشوفة في السياسة، وإخضاع الحياة الاجتماعية برمتها لمصالح الأقلية الحاكمة، والسعي لإعادة تقسيم العالم عبر العنف العسكري، تُعبّر عن أزمة النظام الرأسمالي برمته في أشد صورها تركيزاً وانفجاراً.
تتجلى العمليات الكامنة نفسها في كل دولة رأسمالية كبرى. فأزمة الرأسمالية دولية، وكذلك التحول نحو الديكتاتورية والحرب. تتخلى الطبقة الحاكمة الأوروبية بسرعة وبلا خجل عن شعاراتها السلمية المنافقة، وتُحيي تقاليدها العريقة في النزعة العسكرية الإمبريالية، وتُعلن أن على الطبقة العاملة والشباب أن يكونوا مستعدين للقتال والموت كما فعل أجدادهم في الحربين العالميتين في القرن الماضي. هذا ليس مجرد كلام. فالقوى الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو تخوض بالفعل حرباً بحكم الأمر الواقع ضد روسيا. وقد تحولت أوكرانيا إلى ما يُعادل إسرائيل في أوروبا الشرقية بالنسبة لحلف الناتو.
أكدت اللجنة الدولية، في تحليلها للتجارب التاريخية للقرن الماضي، أن التناقضات نفسها التي أدت إلى الحرب العالمية الأولى عام 1914 أسفرت عن الثورة الاشتراكية في روسيا عام 1917. والديناميكية التاريخية نفسها حاضرة اليوم. فالأزمة العالمية للرأسمالية، التي تكمن وراء اندلاع العنف الإمبريالي، تُهيئ أيضاًُ لانفجار النضال الثوري للطبقة العاملة العالمية.
النصف الثاني من عقد الثورة الاشتراكية
في مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، توقع موقع الاشتراكية العالمية ظهور حركة ثورية جديدة للطبقة العاملة العالمية. وقد تجاوزنا الآن منتصف العقد. وتؤمن اللجنة الدولية إيماناً راسخاً بأن التطورات الموضوعية للأزمة العالمية تُؤكد هذا التوقع.
هيمنت على السنوات الخمس الأولى من العقد نزعة متزايدة لدى النخب الحاكمة نحو ردة فعل سياسية. ما كان ذلك سلسلة من الحوادث أو عملاً لديماغوجيين منعزلين، بل استجابة منهجية من قبل أوليغارشية عالمية عاجزة عن حل أزمة الرأسمالية المتفاقمة عبر الوسائل الديمقراطية. كشفت جائحة كوفيد-19، التي أخضعت فيها الحكومات ملايين الأرواح لمطالب أرباح الشركات، عن التناقض الصارخ بين المصالح الاجتماعية للطبقة العاملة والمصالح المالية للأقلية الحاكمة.
أما اندلاع الحرب في أوكرانيا، والإبادة الجماعية في غزة، وقصف إيران، واختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، والتهديدات الموجهة ضد المكسيك وغرينلاند وبنما وكوبا، فقد كشفت أن القوى الإمبريالية، بقيادة الولايات المتحدة، تستجيب للأزمة من خلال إعادة تقسيم العالم بعنف.
تلازم هذا التوجه الخارجي في المراكز الإمبريالية، ا مع التحول نحو الحكم الاستبدادي في الداخل أي عودة ترامب وبناء ديكتاتورية رئاسية علنية في الولايات المتحدة؛ وصعود حزب ميلي في الأرجنتين، وميلوني في إيطاليا، وحكومات اليمين المتطرف في أنحاء أوروبا؛ التفكيك المنهجي للحقوق الديمقراطية، وعسكرة الشرطة، واضطهاد المهاجرين، وتجريم المعارضة. في غضون ذلك، ارتفعت ثروات المليارديرات عالمياً إلى 18.3 تريليون دولار في عام 2025، في حين فاقمت عمليات التسريح الجماعي للعمال، وتدمير الوظائف بفعل الذكاء الاصطناعي، والتضخم، وتفكيك البرامج الاجتماعية، من حدة الهجوم على ظروف معيشة مليارات العمال.
لا شك أن النصف الأول من العقد شهد تصاعداً في ردة الفعل الرأسمالية والعسكرة الإمبريالية. الحرب العالمية ليست تهديداً متروكاً للمستقبل، بل واقعاً يتكشف أمامنا. لكن التناقضات نفسها في النظام الرأسمالي، التي تتجلى في الحرب والقمع، هي التي أدت أيضاً إلى اندلاع الصراع الطبقي العالمي.
يتسم النصف الثاني من العقد بتزايد ملحوظ في تصاعد النزعة المضادة للنضال الاجتماعي على نطاق دولي. ففي عام 1845، كتب ماركس: 'مع شمولية العمل التاريخي، سيزداد حجم الكتلة الفاعلة'. وكدليل مبدئي على صحة تلك الرؤية، تنخرط جماهير غفيرة من العمال في النضال الاجتماعي والسياسي.
شهد الربع الأول من عام 2026 وحده 458 إضراباً في ثماني دول أوروبية فقط، من بينها خمسة إضرابات عامة على المستويين الوطني والإقليمي. ومثل هذا تسارعاً ملحوظاً مقارنةً بالفترات المماثلة في عام 2025. وقد شهد الربع الأول من عام 2026 بالفعل إضرابات عامة وطنية في بلجيكا (12 مارس) وإيطاليا (9 مارس)، وإضرابات عامة إقليمية في الأندلس وإقليم الباسك بإسبانيا (8 و17 مارس)، وإضرابًاً عاماً في شمال قبرص، وإضراباً عاماً وطنياً في الأرجنتين في شباط /فبراير - وهو عدد كبير من الإضرابات العامة في ربع واحد يتجاوز وتيرة عام 2025 الملحوظة أصلا.ً أضرب ما يقرب من 1.7 مليون موظف حكومي في ولاية ماهاراشترا الهندية.
استناداً إلى مؤشرات موضوعية - كعدد الإضرابات، وحجم التعبئة، والتوزيع الجغرافي، والانتشار القطاعي، والمدة، ونطاق تفويض الإضراب، وتواتر المواجهات مع قوات الدولة - أشارت الأشهر الأولى من عام 2026 إلى تصعيد واضح وقابل للقياس للصراع الطبقي يتجاوز مستويات عام 2025.
شهدت الولايات المتحدة مظاهرات حاشدة مناهضة لهيئة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) شارك فيها الملايين، من بينهم 8 ملايين في تعبئة 'لا ملوك' التي جرت في 28 مارس/آذار. كما شهدت إضرابات شارك فيها 42 ألف عامل في جامعة كاليفورنيا و31 ألف عامل في مؤسسة كايزر للرعاية الصحية.
مثلت تلك النضالات تعبيراً موضوعياً عن دخول الطبقة العاملة العالمية في صراع ضد الظروف التي فرضتها الأزمة نفسها التي تدفع الأوليغارشية نحو الفاشية والحرب. وتجري هذه النضالات في جميع قارات العالم وفي جميع القطاعات الاقتصادية الرئيسية، في صراع مباشر ومتزايد ليس فقط مع أصحاب العمل والحكومات، بل أيضاً مع بيروقراطيات النقابات العمالية التي تعمل كقوة شرطة قمعية للشركات ضد الإضرابات.
السؤال الحاسم في هذه المرحلة هو أيٌّ من هذين الاتجاهين سيسود. لقد واجهت الطبقة الحاكمة الأزمة المتفاقمة لنظامها بالفاشية والحرب، وعسكرة المجتمع، وانتهاك الحقوق الديمقراطية، والاعتداء على المهاجرين والمعارضين السياسيين، والتحضير لنزاعات تنطوي على خطر كارثة نووية. أما الطبقة العاملة فتجيب بالقوة الوحيدة القادرة على وقف هذا المسار نحو الكارثة، ألا وهي حشد قوتها الاجتماعية الجماعية. النتيجة ليست محسومة سلفاً، بل ستُحسم من خلال النضالات الدائرة الآن، ومن خلال الوعي السياسي والتنظيم والقيادة التي ستطورها الطبقة العاملة خلال هذه النضالات.
ما يمكن تأكيده بيقين هو أن فترة التوازن الاجتماعي النسبي انتهت. فالظروف الموضوعية التي حُددت في بداية العقد - انهيار النظام الرأسمالي لما بعد الحرب، واستحالة استمرار أساليب الحكم القديمة، وضرورة التحول الثوري أو الانزلاق إلى الهمجية - لم تتأكد فحسب، بل ازدادت حدة. شكلت الأشهر الأولى من عام 2026 نقطة تحولٍ برزت فيها مقاومة الطبقة العاملة كقوة عالمية، تتصدى لهجوم الأوليغارشية على نطاقٍ يضع الأسئلة الجوهرية للعصر - الحرب أم السلام، الديكتاتورية أم الديمقراطية، الاشتراكية أم الهمجية - مباشرةً على جدول الأعمال التاريخي.
لنُؤسس الأممية الرابعة!
سيرفض المتشائمون والمتشككون المحبطون من اليسار الزائف للطبقة الوسطى هذا المنظور باعتباره ضرباً من الخيال. فهم، وهم يتوقون للطبقة الحاكمة، يؤمنون إيمانًا راسخاً بحصانة الرأسمالية وديمومتها. أما موقفهم من الطبقة العاملة فهو مزيج من الخوف والازدراء.
لكن المنظور الثوري للحركة التروتسكية، بقيادة اللجنة الدولية للأممية الرابعة، يرتكز على التقييم الأكثر واقعية للعمليات الاقتصادية والاجتماعية الموضوعية التي تجري على نطاق عالمي.
إن نفس عولمة الإنتاج التي أدت إلى تناقضات النظام القائم، أنتجت - كحقيقة موضوعية وهيكلية - أكبر طبقة عاملة دولية في تاريخ البشرية. يجب فهم هذا الرقم بشكل ملموس. فمنذ عام 1980، أدى تطور قوى الإنتاج العالمية إلى زيادة حجم الطبقة العاملة بأكثر من ملياري شخص. ولأول مرة في تاريخ البشرية، تعيش أغلبية سكان العالم في المدن، وهو رقم يرتفع بالملايين كل أسبوع.
يوجد حالياً أكثر من 500 مدينة تجاوز عدد سكانها مليون نسمة، أي ما قارب ربع سكان العالم؛ منها 31 مدينة عملاقة على الأقل زاد عدد سكانها عن 10 ملايين نسمة، ويُقدّر أن 90% من التجارة العالمية تمر عبر بضع عشرات من هذه المراكز. ومن المتوقع أن ينضم مليار عامل أفريقي إلى سوق العمل العالمي في العقود القادمة. إن مليارات العمال الذين انتقلوا من المناطق الريفية المتخلفة في الهند والصين وأمريكا اللاتينية وأفريقيا إلى دوائر الإنتاج المعولم، قد 'قفزوا قروناً إلى الأمام في جيل واحد'، كما وصف الوضع موقع WSWS.
تُولد العمليات الاجتماعية والاقتصادية الموضوعية نضالات ثورية. فالتدهور اليومي لمستويات المعيشة، والتفاوت الاجتماعي الهائل، والفساد والجرائم البشعة التي ترتكبها الطبقة الحاكمة، كلها أمور تُثير سخط الجماهير وغضبها. ولكن يجب تحويل هذا الغضب إلى نضال واعٍ سياسياً وموحد دولياً ضد الرأسمالية.
وهذا يُبرز المشكلة المحورية لهذه الحقبة التاريخية ألا وهي حل أزمة القيادة الثورية في الطبقة العاملة. يجب كسر قبضة أدوات الحكم الرأسمالي القديمة والرجعية - الأحزاب الرأسمالية القائمة، وبيروقراطيات النقابات العمالية، والمنظمات القومية البرجوازية، والتجمعات البرجوازية الصغيرة التي لا تُحصى. يجب إرساء الاستقلال السياسي للطبقة العاملة عن جميع أجهزة الطبقة الحاكمة.
يتطلب هذا بناء الأممية الرابعة، الحركة التروتسكية العالمية بقيادة اللجنة الدولية. يرتكز برنامجها على رصيد هائل من الخبرة الثورية يمتد على مدى قرن من النضال.
نُقرّ بأن فروع اللجنة الدولية ليست أحزاباً جماهيرية بعد. لكن هذا ليس عيباً، بل هو تعبير عن فترة طويلة من الرجعية السياسية تمكنت خلالها بيروقراطيات الاشتراكية الديمقراطية القديمة، والستالينية، والعمالية، والنقابية من قمع الصراع الطبقي.
لكن كما قال تروتسكي: 'قوانين التاريخ أقوى من الجهاز البيروقراطي'. إن تفاقم الأزمة الرأسمالية يدفع الجماهير نحو التطرف، وهذا سيخلق الظروف لنمو هائل للحركة التروتسكية.
في مايو/أيار 1940، في بيان الأممية الرابعة الذي كتبه تروتسكي قبل ثلاثة أشهر فقط من اغتياله على يد عميل ستاليني، أوضح الاستراتيجي الذي لا يُضاهى للثورة الاشتراكية العالمية:
في التاريخ، لطالما كانت الحرب منبعاً للثورة، تحديداً لأنها تهز الأنظمة البالية من جذورها، وتُضعف الطبقة الحاكمة، وتُسرّع من نمو السخط الثوري بين الجماهير المضطهدة.
هذا الوضع آخذ في الظهور. إن مجرد وضع الطبقة الحاكمة الأمريكية لرجل عصابات في البيت الأبيض، وتكليفها إدارة شؤونها لعالم الجريمة، دليل قاطع على إفلاسها التاريخي.
عملت اللجنة الدولية للأممية الرابعة بلا كلل، في مواجهة أعظم العقبات، لإعداد الكوادر المتقدمة من الطبقة العاملة للأزمة الراهنة. أنشأنا موقع الاشتراكية العالمية، الذي شكّل على مدى السنوات الثماني والعشرين الماضية أداةً لا تُضاهى للتحليل السياسي والتوجيه الاستراتيجي. وخاض الموقع نضالاً دؤوباً للحفاظ على إرث الماركسية والاستمرارية التاريخية للنضال من أجل الاشتراكية.
قادت الأحزاب المنتسبة إلى اللجنة الدولية النضال ضد البيروقراطيات العمالية وضد النقابات الموالية للإمبريالية من خلال تطوير التحالف الدولي للجان العمال العادية (IWA-RFC). لا يهدف هذا التحالف إلى التأثير على بيروقراطيات النقابات العمالية القائمة، بل إلى تنظيم انتفاضة شعبية ضدها ونقل السلطة إلى لجان المصانع والورش وأماكن العمل.
تُعنى منظمة الشباب والطلاب الدولية من أجل المساواة الاجتماعية (IYSSE)، بتوجيه من اللجنة الدولية للأممية الرابعة (ICFI)، بتنشئة جيل الشباب على الفكر الماركسي، وتقديم بديل ثوري لسياسات الاحتجاج المُثبِّطة، وتوجيه طاقاتهم نحو نضالات الطبقة العاملة.
طوّرت اللجنة الدولية للأممية الرابعة (ICFI) برنامج 'الاشتراكية بالذكاء الاصطناعي'، الذي أُطلق على الموقع الإلكتروني الاشتراكي العالمي في ديسمبر/كانون الأول 2025. وبينما تستغل الطبقة الحاكمة الذكاء الاصطناعي لإثراء نفسها وإفقار العمال وتكثيف الاستغلال، تستغل اللجنة الدولية الإمكانات الهائلة لهذه التقنية للنهوض بالنضال من أجل الاشتراكية وتسريع وتيرته.
وتُوجَّه جميع العناصر المختلفة لعمل اللجنة الدولية نحو هدف بناء الأممية الرابعة كحزب عالمي للثورة الاشتراكية، قادر على دحر همجية الرأسمالية وتأمين مستقبل البشرية. وسيُبنى هذا الحزب على أيدي العمال والشباب والمثقفين الاشتراكيين الذين يستخلصون العبر اللازمة من تجارب هذه الحقبة، وينضمون إلى صفوفه. إلى العمال الذين يقاتلون إدارة الهجرة والجمارك، وإلى المضربين على خطوط الاعتصام، وإلى الطلاب الذين يعارضون الإبادة الجماعية في الجامعات، وإلى الملايين في شوارع كل قارة: السؤال المطروح الآن ليس ما إذا كان ينبغي القتال أم لا، بل كيف نقاتل وتحت أي راية.
إجابتنا على هذه الأسئلة هي: الطريق إلى الأمام هو النضال الواعي والمنظم للطبقة العاملة العالمية من أجل السلطة. رايتنا هي راية الأممية الرابعة. نقول: أنشئوا فروعاً للجنة الدولية للأممية الرابعة في كل بلد. انطلقوا في النضال من أجل الاشتراكية. إلى الأمام نحو الثورة الاشتراكية العالمية!
