العربية

ردٌّ على أحد مؤيدي "الاشتراكية الإسلامية الإيرانية" النضال ضد الإمبريالية ومن أجل سلطة العمال في إيرانز

هذا هو الجزء الأول من سلسلة من ثلاثة أجزاء، ردّاً على انتقادات الصحفي رامين مظاهري، من قناة إيران برس تي في، لتغطية موقع WSWS ودعمه للغضب الشعبي المتزايد للطبقة العاملة ضد النظام البرجوازي الديني في إيران.

أشارت الاحتجاجات التي اندلعت في إيران أواخر عام 2017، والتي سرعان ما امتدت إلى 85 مدينة وبلدة في جميع أنحاء البلاد، إلى مرحلة جديدة في تطور الصراع الطبقي في الجمهورية الإسلامية. في تحدٍّ للقمع الحكومي، خرج عشرات الآلاف من الشباب العاطلين عن العمل والعمال الفقراء إلى الشوارع احتجاجاً على ارتفاع الأسعار، والبطالة الجماعية، والتفاوت الاجتماعي المتفشي، وسنوات من التقشف الحكومي.

وإذ أرعب اتساع نطاق الاحتجاجات وشدتها النخبة الدينية البرجوازية الإيرانية المنقسمة على فصائل، فقد توحدت لدعم قمعها من قبل قوات الأمن. وبرر ذلك بادعاءات مفادها أن الاحتجاجات كانت بتحريض من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية وأنظمة عميلة إمبريالية أخرى في المنطقة، بهدف تقويض الجمهورية الإسلامية.

في الواقع، فوجئت واشنطن ولندن، كما فوجئ حكام إيران، بالاندلاع المفاجئ لمعارضة الطبقة العاملة.

اختلفت الاحتجاجات الأخيرة اختلافًا جوهرياً عن تلك التي نظمتها الحركة الخضراء عام 2009. فقد سعت الأخيرة إلى قلب إعادة انتخاب الرئيس الشعبوي الإيراني، محمود أحمدي نجاد، استناداً إلى مزاعم لا أساس لها من الصحة وغير معقولة بالتزوير الانتخابي، وذلك لإيصال فصيل البرجوازية الإيرانية الأكثر حرصاً على التقارب مع الإمبريالية الأمريكية وتسريع وتيرة 'الإصلاح' المؤيد للسوق والمستثمرين إلى السلطة.

انطلقت الاحتجاجات الأخيرة من معارضة الطبقة العاملة لعدم المساواة الاجتماعية وسياسات التقشف. وشارك فيها بعضٌ من أشدّ شرائح المجتمع فقراً، وحظيت بدعم في مدن وبلدات إقليمية كانت سابقاً معقلاً لأحمدي نجاد.

في الأيام التي سبقت مباشرةً الاحتجاجات الأولى في 27 كانون الأول /ديسمبر، احتدم النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي حول التفاوت الاجتماعي. وكان السبب الرئيسي وراء ذلك الغضب العارم هو ميزانية التقشف الأخيرة التي أعلنها الرئيس روحاني. فبينما فصّلت الميزانية المبالغ الضخمة المدفوعة للمؤسسة الدينية الشيعية، إلا أنها، في خطوة أشاد بها صندوق النقد الدولي صراحةً، خفضت 5.3 مليار دولار من المدفوعات النقدية الضئيلة المقدمة للإيرانيين ذوي الدخل المحدود، واقترحت رفع أسعار البنزين بنسبة وصلت إلى 50%.

سارت الاحتجاجات الخضراء على خطى الثورات الملونة التي رعتها الولايات المتحدة في أوكرانيا وجورجيا وغيرها. قبيل الانتخابات الرئاسية في يونيو/حزيران 2009، نشرت وسائل الإعلام الغربية، وعلى رأسها صحيفة نيويورك تايمز، تقارير مُشيدة بالموجة 'الإصلاحية' التي قادها الخضر و زُعم أنها تجتاح إيران، ثم سارعت إلى الترويج لمزاعم قادة الحزب بتزوير الانتخابات. بعد ذلك، خصصت هذه الوسائل تغطية مكثفة لاحتجاجات حزب الخضر، بينما انضم إليها قادة سياسيون أمريكيون وأوروبيون في إدانة إيران.

جاء الدعم الشعبي للاحتجاجات الخضراء بشكل شبه حصري من أكثر شرائح المجتمع امتيازاً. واقتصر ذلك الدعم جغرافياً على الأحياء الثرية في شمال طهران وعدد قليل من المدن الأخرى. وتماشياً مع توجه الخضر اليميني، حُشدت تلك الشرائح بوعود أنانية بإنهاء 'تبديد' أحمدي نجاد للموارد على الفقراء، فضلاً عن التذمر من القوانين الأخلاقية الرجعية التي فرضتها الدولة.

رحّب موقع الاشتراكية العالمية على الشبكة الافتراضية بعودة نضال الطبقة العاملة في إيران، مؤكداً أنه جزء من حركة عمالية أوسع نطاقاً انتشرت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والعالم أجمع.

في ظلّ الظروف التي حُرم فيها العمال الإيرانيون منذ عقود من أي شكل من أشكال التنظيم الذاتي أو التعبير السياسي من قِبل حكام إيران الرأسماليين، ستكون معارضة الطبقة العاملة، في مراحلها الأولى، محدودة سياسياً ومُربكة حتماً.

سارع النظام الإيراني إلى الترويج لمحاولات القوى الملكية وغيرها من القوى اليمينية المؤيدة للإمبريالية للتسلل إلى الاحتجاجات واستغلالها لأغراضها الرجعية، بما في ذلك، بلا شك، تشجيع الهجمات المتسرعة على الممتلكات الحكومية وضد قوات الأمن.

على الرغم من قسوة حملة القمع الحكومية، إلا أنها لا تفسر وحدها انهيار الاحتجاجات المناهضة للحكومة. فقد أدى غياب رؤية سياسية واضحة، مناهضة للإمبريالية وجميع فصائل البرجوازية الإيرانية، إلى بقاء قطاعات واسعة من الطبقة العاملة، فضلاً عن شرائح من الطبقة الوسطى كانت متعاطفة مع المظالم الاجتماعية للمحتجين، على الحياد وسط القمع المتزايد.

إلا أن أي فترة راحة للبرجوازية الإيرانية ستكون قصيرة الأمد. فقد سبقت الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي هزت إيران في الأسبوع الذي سبق رأس السنة الجديدة موجة متصاعدة من الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات ضد تسريح العمال وعدم دفع الأجور وسوء ظروف العمل. ووفقًا لإحدى الدراسات، فقد بلغ عدد تلك الاحتجاجات 900 احتجاج منذ بداية السنة الفارسية الجديدة في آذار /مارس 2017. ووثقت دراسة أخرى 1700 احتجاج اجتماعي منذ مارس 2016.

تسعى الطبقة العاملة الإيرانية، التي طالما عانت من القمع، إلى تأكيد مصالحها الطبقية، وذلك في إطار تصاعد مطرد للطبقة العاملة في الشرق الأوسط وخارجه. ويتضح طابع النقاش الدائر في إيران من خلال الحوار الحاد الذي دار على مواقع التواصل الاجتماعي عقب الاحتجاجات، تحت وسمين متنافسين: 'لن نصبح سوريا' و'سنصبح تونس'.

تتمثل مهمة الاشتراكيين الثوريين في تسليح الطبقة العاملة في إيران سياسياً باستراتيجية اشتراكية أممية.

وكما أوضح موقع WSWS في مقاله الأول عن الاحتجاجات:

يجب على العمال والشباب الإيرانيين النضال من أجل تعبئة الطبقة العاملة كقوة سياسية مستقلة في مواجهة الإمبريالية وجميع فصائل البرجوازية الوطنية'.

يجب فضح أي قوى يمينية تدعو إلى التوجه نحو واشنطن أو غيرها من القوى الإمبريالية داخل الحركة المناهضة للحكومة، وعزلها سياسياً. فالإمبريالية هي التي خنقت، على مدى القرن الماضي، التطلعات الديمقراطية والاجتماعية لشعوب الشرق الأوسط، ودمرت المنطقة عبر ربع قرن من الحروب العدوانية، وهي اليوم تُهدد بتوريط الشعب الإيراني والمنطقة بأسرها في حرب أشد دموية.

إن البرجوازية الإيرانية، كما يتضح من أكثر من قرن يعود إلى الثورة الدستورية عام 1906، عاجزة تماماً عن إرساء ديمقراطية حقيقية والتحرر من الإمبريالية، لأن ذلك يتطلب تعبئة ثورية للجماهير على نطاق واسع لدرجة أنها تُهدد مصالحها وطموحاتها الطبقية الأنانية.

…يجب على انتفاضة جديدة للطبقة العاملة أن تُحاسب المؤسسة السياسية الإسلامية، والبرجوازية الإيرانية ككل، والإمبريالية كجزء من ثورة اشتراكية عالمية.

اعتراضات 'اشتراكي إسلامي إيراني'

أثار هذا الموقف المبدئي معارضة.

نشر رامين مظاهري، مراسل قناة برس تي في الإيرانية، مدونةً اتهم فيها موقع 'شبكة الاشتراكية العالمية' بخيانة 'مبادئه الاشتراكية' ودعم الإمبريالية، لأننا رحبنا بمعارضة الطبقة العاملة للحكومة الرأسمالية الإيرانية، وعارضنا قمع الدولة الذي تم تبريره بذريعة مكافحة التخريب المدعوم من الإمبريالية.

مع توجيهه تلك الاتهامات، أعرب مظاهري، وهو من أشدّ أنصار 'الاشتراكية الإسلامية الإيرانية'، عن إعجابه بموقع الاشتراكية العالمية. ووصفه بأنه 'موقع رائع للغاية'، و'استثنائي من جميع النواحي تقريباً'، و'ربما يكون الموقع اليساري الأكثر زيارةً على نطاق واسع'، وأنه 'محبوب في العالم الثالث'.

كما أقرّ بأن موقع الاشتراكية العالمية عارض الحركة الخضراء. في الواقع، لقد فعلنا ذلك، حيث نشرنا العديد من المقالات في عام 2009 لتحذير العمال في إيران وعلى الصعيد الدولي من أن تلك حركة يمينية، تم تشجيعها والتلاعب بها من قبل الإمبريالية.

ردّ موقع WSWS على مظاهري في تعليق نُشر في 6 يناير/كانون الثاني بعنوان: 'اضطرابات الطبقة العاملة في إيران نحت عنوان ردّ WSWS على مُدافع عن النظام الإيراني'. في ردّنا، لفتنا الانتباه، كما فعلنا منذ بداية الاحتجاجات، إلى الاختلاف الجوهري في الطابع الاجتماعي للحركة المناهضة للحكومة الحالية عن حركة عام 2009.

وأوضحنا أن 'الجمهورية الإسلامية نظام قومي برجوازي' ترسّخ من خلال استغلال الانتفاضة الشعبية المناهضة للإمبريالية التي أطاحت بالحكم الاستبدادي للشاه المدعوم من الولايات المتحدة، ثم قمعها بهمجة. 'إنها تُناور على الساحة الدولية لخدمة مصالح النخبة الرأسمالية الحاكمة في إيران، مع الموازنة بين مختلف القوى الاجتماعية داخل إيران، بما في ذلك التأثير المباشر وغير المباشر لرأس المال الأجنبي والطبقة العاملة'.

وتابع التعليق موضحاً: 'استند موقف موقع WSWS تجاه الجمهورية الإسلامية إلى عاملين أساسيين هما طبيعة إيران كدولة مضطهدة تاريخياً يجب الدفاع عنها ضد بطش الإمبريالية، والعلاقة العدائية بين الطبقة البرجوازية الإيرانية والطبقة العاملة'.

نشر مظاهري مدونة ثانية كرر فيها انتقاداته لموقف موقع WSWS من الاحتجاجات الأخيرة والجمهورية الإسلامية والنضال من أجل الاشتراكية في إيران، بل ووسع نطاقها. كما شكر الموقع على نشر رده، وأشاد به مجددًا لـ'يساريته الحقيقية'. وكتب مظاهري: 'موقع WSWS موقع يستحق التقدير في جميع أنحاء العالم... لطالما وجدتُ (عمله) ثاقباً وملهماً'. [1]

إن إطراء مظاهري سخيّ، لكن من الواضح أنه لا يستند إلى فهمٍ لما مكّن موقع WSWS من الظهور كمركزٍ للمعارضة الاشتراكية للعدوان والحرب الإمبرياليين. إن معارضتنا الثابتة للإمبريالية متجذرة في منظورنا الطبقي؛ في المعارضة الراسخة لكل فرعٍ وطني من اللجنة الدولية للأممية الرابعة (ICFI) لبرجوازية بلادهم، وفي نضالهم الدؤوب من أجل الاستقلال السياسي للطبقة العاملة. وينطبق هذا الأمر على أحزاب المساواة الاشتراكية (SEP) في الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وغيرها من المراكز الإمبريالية، كما ينطبق على تلك الأحزاب، مثل حزب المساواة الاشتراكية في سريلانكا، التي تناضل من أجل بناء أحزاب ثورية للطبقة العاملة في البلدان التي عانت تاريخيًا من قمع الإمبريالية.

هذا التوجه الطبقي نفسه متجذر في الماركسية، أي الاشتراكية العلمية، ومُدعّم بالدروس الاستراتيجية للصراعات الطبقية الكبرى في القرن الماضي، ولا سيما نظرية واستراتيجية الثورة الدائمة.

نستنتج من تعليقات مظاهري أنه لطالما قدّر معارضتنا الثابتة لانتهاكات الإمبريالية، بما في ذلك العقوبات الأمريكية والاستعدادات للحرب ضد إيران؛ وأنه فوجئ حقًا بإصرارنا على الوقوف إلى جانب الطبقة العاملة ضد حكام الجمهورية الإسلامية، ورفضنا لمحاولاتهم تشويه معارضة التفاوت الاجتماعي المتفشي والتقشف الرأسمالي بوصفها تخريباً إمبريالياً.

ينبع استغراب مظاهري وعدم فهمه من مفاهيمه السياسية، ولا سيما ربطه بين القومية والاشتراكية، وعجزه عن دراسة قوى الطبقات.

كرر في مدونته الثانية، أخطاء مدونته الأولى: إذ أهمل دراسة الثورة الإيرانية عام 1979 في سياقها التاريخي، وما أمعن النظر في دينامياتها الاجتماعية. وبدلاً من تحليل القوى الطبقية التي شكلت سياسات الجمهورية الإسلامية، كرر مزاعم حكام الجمهورية، أو بالأحرى، مزاعم فئة منهم، بأن إيران تتبنى اشتراكية إسلامية.

وأصرّ مجدداً على أن الاشتراكية في إيران لن تُحفّز الجماهير إلا إذا اقترنت بالإسلام الشيعي. هذه الحجة أسهل بكثير إذا تجاهلنا، كما فعل مظاهري، أي اعتبار للدور المحوري الذي لعبه حزب توده الستاليني في تطور الحركة العمالية الإيرانية.

لم يشر، فضلاً عن تقديم رد متماسك، إلى النقاط التي أثرناها بشأن النفوذ الهائل الذي مارسه حزب توده تاريخياً داخل الطبقة العاملة الإيرانية، وإلى إخضاع الستالينيين الممنهج للطبقة العاملة لما يُسمى بالجناح 'التقدمي' أو 'المناهض للإمبريالية' من البرجوازية. وشمل ذلك تقديم حزب توده الدعم السياسي لآية الله الخميني ورجال الدين الشعبويين الشيعة في أعقاب الإطاحة بالشاه، إلى أن استهدف النظام الستالينيين أنفسهم بقمع همجي في الفترة 1982-1983.

يعترض مظاهري على تأكيدنا على أن سياسة الجمهورية الإسلامية 'ليست مناهضة للإمبريالية'. ومع ذلك، حتى لو تجاهلنا علاقاتها مع القوى الإمبريالية الأخرى، فإن هناك سجلاً حافلاً لعقود من سعي طهران للتقارب مع الإمبريالية الأمريكية، بما في ذلك التواطؤ مع واشنطن في حرب الخليج عام 1991، وغزو أفغانستان عام 2001، والمراحل الأولى من حرب العراق.

وتجلى منظور مظاهري في إدانته لموقع WSWS لوصفه الجمهورية الإسلامية بأنها 'نظام برجوازي'. ففي بلدٍ قمعت فيه الدولة الطبقة العاملة بلا رحمة لعقود، ومنعتها من ممارسة أي شكل من أشكال التنظيم الذاتي، يُشير إلى أنه لا وجود لدولة، أو إن وُجدت، فهي تجسد أمة إيرانية تتجاوز الصراع الطبقي.

أقر بوجود عمال ورأسماليين في إيران، وأن إيران انتهجت، لعقود، في ظل سلسلة من الرؤساء، سياسات مؤيدة للسوق. ومع ذلك، أصر على أن الحكومة المنتخبة في نظام شبه ديمقراطي - يتمتع بموجبه رجال الدين الشيعة بامتيازات وسلطات واسعة، بما في ذلك استبعاد على المرشحين 'غير الأتقياء' وإلغاء التشريعات التي تعتبر مخالفة للتعاليم الشيعية - تعبر عن 'الإرادة الديمقراطية' للشعب الإيراني، وبالتالي فإن أي تحدٍ لحكمها يُعد غير شرعي.

توافق انتقاده لإصرارنا على أن الجمهورية الإسلامية دولة رأسمالية متجذرة في حماية ممتلكات ومصالح البرجوازية الإيرانية، وملتزمة بها التزاماً تاماً، مع ادعائه بأننا نرفض 'الطابع الشعبي الديمقراطي' للثورة الإيرانية.

على النقيض من ذلك، نؤكد أن الثورة الإيرانية كانت انتفاضة عارمة مناهضة للإمبريالية، حشدت ونشطت سياسياً عمال إيران وكادحيها.

بالنسبة للشعب الإيراني، كان الشاه تجسيداً، ليس فقط للحكم الاستبدادي والفاسد، بل لكل الإهانات والعنف الذي أخضعت له الإمبريالية أمتهم على مدى قرن. كانت الإطاحة به ضربة قاضية للإمبريالية الأمريكية. فعلى مدى ربع قرن، عمل نظام الشاه كقوة عسكرية أمريكية في الخليج الغني بالنفط، وقاعدة حيوية للعمليات في جميع أنحاء أوراسيا، وفي مقدمتها العمليات ضد الاتحاد السوفيتي.

تجلّت الإمكانات التحررية الهائلة للثورة الإيرانية، في المقام الأول، في دور الطبقة العاملة في الإطاحة بالشاه. فمع تصاعد الانتفاضة الشعبية في النصف الثاني من عام 1978، برزت الطبقة العاملة، مستخدمةً أساليب النضال البروليتاري - الإضرابات واحتلال أماكن العمل - كقوة اجتماعية رئيسية وراء الثورة الوشيكة. وفي نهاية المطاف، كان إضراب عمال النفط هو الذي قضى على نظام الشاه.

تكمن مأساة الثورة الإيرانية في عجز الطبقة العاملة عن الاضطلاع بدور سياسي يتناسب مع ثقلها الاجتماعي في النضال ضد دكتاتورية الشاه.

فقد تم تحييدها سياسياً بفعل الستالينية، وعلى رأسها حزب توده، فضلاً عن تيارات يسارية أخرى تأثرت بها. وأدت تلك التيارات إلى تشتيت الطبقة العاملة، لا سيما من خلال تقييمها الخاطئ لدور البرجوازية الوطنية في النضال ضد الإمبريالية، وإصرارها على عدم وجود أساس موضوعي لثورة اشتراكية بقيادة الطبقة العاملة في إيران.

نتيجةً لذلك، تمكّنت فئة من رجال الدين، ممن تبنّوا نزعة قومية إيرانية ممزوجة بخطاب شعبوي شيعي، ومثلوا الفصيل التقليدي من البرجوازية الإيرانية القائم على السوق، من احتواء الانتفاضة الشعبية، ثمّ قمعوا بهمجية جميع منظمات الطبقة العاملة المستقلة وأعادوا النظام البرجوازي. وبحلول عام 1983، وفي معظم الحالات قبل ذلك بكثير، حُظرت جميع مجالس العمال والنقابات العمالية المستقلة عن النظام، وجميع الأحزاب اليسارية، وتمّ تفكيكها فعلياً.

في الأيام الأولى للثورة، استخدم الخميني عبارات شعبوية رددت صدى الشعارات الاشتراكية، لربط الإسلام بالعدالة الاجتماعية. ولكن مع توطيد الملالي لحكمهم، شدّد بشكل متزايد على دفاع الإسلام عن الملكية الخاصة، وأهمية السوق، وضرورة سيادة القانون والنظام.

قدّم النظام الإسلامي بعض التنازلات الاجتماعية لعمال إيران وعمال الريف في بداية الثورة. لكن تم التراجع عن تلك الإجراءات بشكل منهجي، وبوتيرة متسارعة، إذ سعى حكام إيران البرجوازيون إلى الاستيلاء على حصة أكبر من الثروة الوطنية وزيادة إمكانياتهم للاستغلال الرأسمالي.

في انتقاده لموقعWSWS ، أُشار مظاهري مراراً إلى خطر عودة إيران إلى نير الاستعمار. ولا شك أن الإمبريالية الأمريكية تطمع في إيران. ففي سعيها لإعادة فرض ذلك النوع من التبعية الاستعمارية الجديدة التي سادت في عهد الشاه، فرضت واشنطن، على مدى العقود الأربعة الماضية، مصاعب جمة على الشعب الإيراني.

وكما أقرّ مظاهري نفسه، كان موقع WSWS في طليعة باذلي الجهود المبذولة لتعبئة الطبقة العاملة العالمية ضد التهديدات الأمريكية بالحرب والعقوبات التي تستهدف إيران.

مع ذلك، فإن الدفاع عن إيران ضد الإمبريالية لا يعني دعم النظام البرجوازي الديني، الذي ترسخ من خلال قمع التطلعات الديمقراطية والاجتماعية للعمال والكادحين الإيرانيين. إن سعي البرجوازية الإيرانية وراء مصالحها الطبقية الأنانية يُضعف إيران ويُعرّضها للخطر في كل منعطف، في مواجهة المؤامرات الإمبريالية والتنمر.

إن تاريخ إيران والنضال العالمي ضد الإمبريالية يوضح أن الاستراتيجية الفعالة لهزيمة الإمبريالية لا يمكن أن تقوم إلا على الطبقة العاملة، وتتطلب تعبئتها كقوة سياسية مستقلة في معارضة جميع فصائل البرجوازية.

نرحب بالفرصة التي أتاحتها انتقادات مظاهري لتوضيح الأسئلة الرئيسية المتعلقة بالاستراتيجية الثورية في إيران - وهي دولة ظلت لعقود عالقة في دوامة الجغرافيا السياسية الإمبريالية، حيث تسعى الطبقة العاملة، كما بشرت به الاحتجاجات التي افتتحت عام 2018، الآن جاهدة لإيجاد طريق النضال الطبقي المستقل.

تروتسكي، دروس حول روسيا والصين، والثورة الدائمة

خط الهجوم المركزي لمظاهري في كلتا مدونتيه هو أن موقع WSWS يتكون من دوغماتيين منخرطين في 'عبادة الأسلاف' تمجيداً لتروتسكي، ويدينون كل حركة لفشلها في الارتقاء إلى مستوى 'الثورة العالمية الدائمة' والانخراط في تعليقات 'البرج العاجي غير الفعالة'، بدلاً من الترويج لسياسات 'الآن'.

إن WSWS واللجنة الدولية للأممية الرابعة ليسوا من عبدة تروتسكي. إننا نبني عملنا السياسي على النضال التاريخي الذي خاضته الأممية الرابعة والمنظمات التي سبقتها لأنه يجسد الدروس الأساسية للنضالات الثورية للطبقة العاملة العالمية على مدار أكثر من قرن ونصف.

من المؤكد أن تروتسكي كان شخصا استثنائيا: فقد شارك مع لينين في قيادة ثورة أكتوبر 1917؛ وكان منظم الجيش الأحمر. كان الزعيم السياسي والنظري للمعارضة الماركسية للبيروقراطية الستالينية؛ كاتب وخطيب لامع، ألقى الضوء على القضايا المركزية في النضال ضد الثورة المضادة الفاشية في ألمانيا وإسبانيا. ويمكن للمرء أن يمضي قدماً في تعداد إنجازاته.

لكن الأهمية الدائمة والأهمية المعاصرة لتروتسكي تكمن، في المقام الأول، في البرنامج والمنظور الذي ناضل من أجله، والذي حرك نشاطه سواء في فترات صعود الطبقة العاملة، أو تراجعها، أو الثورة، أو الثورة المضادة، وطوره وشرحه في خطاباته وتقاريره وكتاباته.

لقد كان تروتسكي، وبقدر ما نشر في كتاباته، أهم استراتيجيي الثورة الاشتراكية العالمية. ومن هنا كان الارتباط الذي لا ينفصم بين اسمه ونظرية الثورة الدائمة وإستراتيجيتها، وهو ارتباط مألوف حتى لأولئك مثل مظاهري الذين لا يعرفون سوى القليل، إن وجد، عن الثورة الدائمة. أو، لنكون أكثر دقة، من حمل مفهومهم للثورة الدائمة، سواء أدركوا ذلك أم لا، بصمة التشويه الستاليني وتشويه كاريكاتوري لصورة الرجل.

إن الجدل حول الثورة الدائمة هو جدل قديم، يشمل الفترة التي سبقت ثورة أكتوبر 1917 وأثناءها وبعدها.

لقد استبقت الثورة الدائمة استيلاء الطبقة العاملة على السلطة بالتحالف مع الفلاحين، في أكتوبر 1917، ووفرت التوجه الاستراتيجي لها، ولأعمال الحكومة العمالية الثورية بقيادة البلاشفة. وسوف تصبح القضية السياسية المركزية في النزاع بين تروتسكي وستالين، الذي برز متأخراً إلى الواجهة باعتباره المتحدث السياسي باسم البيروقراطية ذات الامتيازات التي اغتصبت السلطة من الطبقة العاملة السوفييتية، في ظل ظروف عزلة الدولة العمالية الأولى في بلد متخلف مزقته الحرب.

سخر مظاهري من 'الثورة العالمية'، مردداً الادعاءات الستالينية بأن تروتسكي دعا إلى تمرد عالمي متزامن، بغض النظر عن مستوى الصراع الطبقي والاستعداد الثوري للطبقة العاملة.

لكن الثورة الدائمة ليست وهماً، ولا مبدأً مجرد. إنها استراتيجية ثورية عالمية موحدة تنبثق من طبيعة الرأسمالية كنظام عالمي ومن منطق الصراع الطبقي. إنها تحتضن المشاكل المركزية لانتقال الرأسمالية إلى الاشتراكية، بما في ذلك، وهذا مهم بشكل خاص لخلافاتنا مع مظاهري، علاقة الديمقراطية بالثورة الاشتراكية في البلدان ذات التطور الرأسمالي المتأخر، مثل إيران.

إن الثورة الاشتراكية ليست حدثاً وطنياً واحداً يتضمن تأسيس سلطة العمال في بلد معين، رغم أهميته المحورية - ولكنها عملية عالمية تشكل، بحكم اتساع مهامها، حقبة تاريخية. فهي تبدأ على الساحة الوطنية، ولكنها تتكشف بالضرورة على الساحة الدولية، ولا يمكن أن تجد النصر إلا في تصفية الرأسمالية عالمياً وإقامة اتحاد اشتراكي عالمي.

إن استحالة 'الاشتراكية الوطنية' أو 'الاشتراكية في بلد واحد'، حسب صرخة معركة الستالينيين في هجومهم على الثورة الدائمة، لا تنشأ ببساطة أو أساسا من حقيقة أن البرجوازية العالمية تعتبر انتصار الطبقة العاملة في أي بلد بمنزلة تهديد مميت. بل لأن نظام الدولة القومية، الذي تتجذر فيه الرأسمالية تاريخياً، إلى جانب الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، يمثلان العائق الرئيسي أمام الاستخدام الرشيد لموارد الاقتصاد العالمي لتلبية الاحتياجات الإنسانية. يجد التنافس الجيوسياسي الناتج تعبيره الكامل في نمو العنف الإمبريالي، وصراع القوى العظمى والتهديد بحرب عالمية إمبريالية ثالثة.

كمنت أصول الثورة الدائمة في مناقشات ما قبل الثورة داخل الحركة الاشتراكية الروسية حول الديناميكيات الطبقية للثورة القادمة في روسيا. في بداية القرن العشرين، كانت روسيا دولة شبه إقطاعية، يحكمها نظام استبدادي قيصري، ولكن مع طبقة عاملة سريعة النمو ومقاتلة.

وكانت المهام الأساسية للثورة – الإطاحة بالاستبداد واقتلاع الملاكين العقاريين من خلال تغيير جذري في علاقات ملكية الأرض – ذات طابع ديمقراطي برجوازي. ومع ذلك، فإن هذا، كما شرح تروتسكي لاحقاً، لم يتب 'مقدماً على السؤال حول أي الطبقات ستحل مهام الثورة الديمقراطية وما هي العلاقات المتبادلة بين هذه الطبقات'. [2]

وقد اعترف البيان الصادر عن المؤتمر التأسيسي لحزب العمل الديمقراطي الاجتماعي الروسي (RSDLP) في عام 1898 بما يلي: 'كلما اتجهنا نحو الشرق في أوروبا، أصبحت البرجوازية أكثر خسة وأكثر جبنا وضعفا سياسيا، وكلما عظمت المهام الثقافية والسياسية التي تقع على عاتق البروليتاريا'.

مع ذلك، أصر الجناح المنشفي أو الانتهازي في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، على أساس تشبيه رسمي مع الثورة الإنجليزية في القرن السابع عشر والثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، على أن الطبقة العاملة والحركة الاشتراكية يجب أن تكونا بفي مقام الحليف المخلص والتابع للبرجوازية الليبرالية في تنفيذ ثورتها.

وبعد أن تحالفت البرجوازية مع النظام القيصري لسحق ثورة 1905، جادل المناشفة علناً بأن الطبقة العاملة دفعت البرجوازية إلى معسكر الرجعية من خلال سعيها العدواني لتطلعاتها الديمقراطية والاجتماعية. في عام 1917، أصبح المناشفة أحد أعمدة الثورة المضادة، حيث دعموا الحكومة المؤقتة البرجوازية بينما واصلت تورط روسيا في الحرب العالمية الإمبريالية، وعارضوا الإصلاح الزراعي، وقاموا بقمع الطبقة العاملة.

أصر كل من لينين وتروتسكي، معارضين المناشفة، على أن الثورة الديمقراطية في روسيا لا يمكن أن تنتصر إلا في مواجهة البرجوازية، التي، بسبب علاقاتها بالإمبريالية والملاكين العقاريين وخوفها من الطبقة العاملة، لن تتمكن ولا يمكنها إلا أن تلعب دوراً مضادا للثورة. وفي نضال لا هوادة فيه ضد المناشفة وسياستهم المتمثلة في إخضاع الطبقة العاملة للبرجوازية، وناضلا من أجل الاستقلال السياسي أو 'هيمنة' الطبقة العاملة والتحالف الثوري بين البروليتاريا والفلاحين.

كمنت فرادة موقف تروتسكي قبل عام 1917 في إصراره على أن الثورة الديمقراطية لا يمكن أن تكتمل إلا من خلال ثورة اشتراكية، بقيادة الطبقة العاملة.

إن عجز البرجوازية الروسية عن تصفية الإقطاع والاستبداد عنى أن تلك المهام الديمقراطية وقعت على عاتق الطبقة العاملة، على رأس جماهير الفلاحين، الذين امتلكوا طاقة ثورية كبيرة، ولكن بسبب عدم تجانسهم الاجتماعي وشخصيتهم المتباينة، تبعوا دائماً إحدى الطبقات الحضرية.

ومع ذلك، فإن الحكومة العمالية الثورية التي وصلت إلى السلطة، إذا ستخدمنا تعابير تروتسكي، باعتبارها “أداة لحل مهام الثورة البرجوازية المتأخرة تاريخيا”، سوف تضطر، من أجل تأمين المصالح الاجتماعية الأساسية للطبقة العاملة، إلى اعتماد تدابير اشتراكية. [3] وبذلك، يصبح مصير الثورة الروسية مرتبطًاً بشكل لا ينفصم، ويتحدد من خلال انتشار الثورة الاشتراكية إلى البلدان الرأسمالية الأكثر تقدماً في أوروبا، أي بتطور الثورة الاشتراكية العالمية.

من أجل تغيير ما يجب تغييره، يعد الموقف القومي اليساري لمظاهري ترجمة معاصرة لموقف المنشفي الكاذب الذي تضمن أنه في العصر المعاصر، تكون البرجوازية في البلدان ذات التطور الرأسمالي المتأخر حليفة الطبقة العاملة والكادحين في الثورة الديمقراطية والنضال ضد الإمبريالية.

تم إحياء المنظور المنشفي من قبل البيروقراطية الستالينية، عندما انفصلت عن برنامج الثورة الاشتراكية العالمية وسعت إلى تأسيس الدفاع عن الاتحاد السوفييتي (الذي كان جهاز دولته مصدر امتيازاته الخاصة) على قوى اجتماعية أخرى غير الطبقة العاملة، بما في ذلك البرجوازية الوطنية في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة. إن التوجه القومي للبيروقراطية، كما حذر تروتسكي، سيقودها قريبا إلى قمع الثورة الاجتماعية وتخريبها بشكل واعي، سعيا للتكيف مع الإمبريالية العالمية.

إن إصرار الستالينيين على أن الطبقة العاملة في الشرق يجب أن تخضع نفسها للبرجوازية الوطنية 'التقدمية' التي قيل إنها 'معادية للإمبريالية' سيكون له عواقب كارثية على الطبقة العاملة والجماهير المضطهدة. وهذا يشمل، كما سيظهر استعراضنا اللاحق لدور حزب توده، في إيران. باسم 'الجبهة الموحدة' المناهضة للإمبريالية، قامت الأحزاب الشيوعية الستالينية بشكل منهجي بتسخير الطبقة العاملة لخدمة ممثلي السياسيين للبرجوازية الوطنية، ودعمت أمثال المؤتمر الوطني الهندي، والبعثيين العراقيين والسوري، والمؤتمر الوطني الأفريقي كقادة للأمة في النضال ضد الإمبريالية.

ومع ذلك، ففي الصين تم توضيح الآثار المأساوية لمنظور الستالينيين لأول مرة بالدم. بين عامي 1925 و1927، قادت الطبقة العاملة الصينية انتفاضة مناهضة للإمبريالية انتشرت من المدن إلى الريف. لكن الثورة الصينية في الفترة من 1925 إلى 1927 سُحقت بسبب إصرار الأممية الشيوعية الستالينية على تصفية الحزب الشيوعي الصيني نفسه وتحويله إلى حزب الكومينتانغ البرجوازي بقيادة تشيانغ كاي شيك، والالتزام بانضباط الأخير، وعدم القيام بأي محاولة لتعبئة جماهير الفلاحين تحت القيادة المستقلة للطبقة العاملة.

وحتى بعد أن ذبح تشيانغ كاي شيك عشرات الآلاف من عمال شنغهاي في نيسان / أبريل 1927، كان ستالين مصرا على بقاء الشيوعيين الصينيين داخل حزب الكومينتانغ، وندد بكل دعوات للطبقة العاملة لحشد الكادحين قيادة الحزب الشيوعي في النضال ضد الإمبريالية والملاكين العقاريين.

وبُرر ذلك المسار على أساس أنه، باستثناء الملاكين العقاريين والوكلاء المباشرين للقوى العظمى ورأس المال الأجنبي، كان الشعب الصيني متحداً موضوعياً في النضال ضد الإمبريالية. ولم يكن حزب الكومينتانغ، أو هكذا زُعم، حزباً برجوازياً، بل كان «كتلة من أربع طبقات» ــ البرجوازية الوطنية، والبرجوازية الصغيرة، والعمال والفلاحين ــ التي جسدت وحدة الأمة.

وبعد أيام فقط من قيام حزب الكومينتانغ، الذي افتُرض أنه مناهض للإمبريالية، بقمع عمال شنغهاي بهمجية، ادعى ستالين أن القمع الإمبريالي 'يجمع بشكل ميكانيكي كل الطبقات من الخارج'. وأوضح تروتسكي في رده أن 'النضال الثوري ضد الإمبريالية لا يضعف التمايز السياسي بين الطبقات، بل يعززه'.

وتابع:

إن الإمبريالية قوة بالغة القدرة في العلاقات الداخلية للصين. المصدر الرئيسي لهذه القوة ليس السفن الحربية في مياه نهر اليانغتسى كيانج - فهي مجرد سفن مساعدة - ولكن الرابطة الاقتصادية والسياسية بين رأس المال الأجنبي والبرجوازية المحلية. إن النضال ضد الإمبريالية، على وجه التحديد بسبب قوتها الاقتصادية والعسكرية، يتطلب بذل جهد قوي من أعماق الشعب الصيني. لا يمكن تحقيق إثارة العمال والفلاحين حقاً ضد الإمبريالية إلا من خلال ربط مصالحهم الحياتية الأساسية والأكثر عمقا بقضية تحرير البلاد. … لكن كل ما يدفع جماهير الكادحين المضطهدة والمستغلة إلى الوقوف على أقدامها، يدفع حتماً البرجوازية الوطنية إلى كتلة مفتوحة مع الإمبرياليين. إن الصراع الطبقي بين البرجوازية وجماهير العمال والفلاحين لا يضعف، بل على العكس من ذلك، يزداد حدة بسبب القمع الإمبريالي، إلى درجة الحرب الأهلية الدموية عند كل صراع خطير. [4]

يظل تحليل تروتسكي محورياً لفهم الديناميكيات الطبقية لبلد مضطهد تاريخياً مثل إيران.

دخلت البرجوازية الإيرانية، كما سنوثق في الجزء الثاني، مراراً في صراع محدود مع الإمبريالية، فقط لتتحول بشراسة ضد الطبقة العاملة والكادحين عندما هددت تطلعاتهم الديمقراطية والاجتماعية امتيازاتها وحكمها.

تختلف الجمهورية الإسلامية كثيراً في أصولها وعلاقاتها مع واشنطن عن نظام الشاه. ومع ذلك، في ظل كلا النظامين، حُرمت الطبقة العاملة من أي شكل من أشكال التعبير السياسي المستقل عن الذات.

ووفقاً لمظاهري، فإن المظالم الاقتصادية التي كانت السبب الجذري للاضطرابات العمالية الأخيرة في إيران ترجع إلى 'الحصار والعقوبات حصرياً.

ما من شك ه أن العقوبات العقابية، التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون على إيران لمدة خمس سنوات، بدءاً من عام 2011، خلفت، كما كان مقصوداً، تأثيراً مدمراً على الاقتصاد الإيراني.

ومع ذلك، هناك الكثير مما هو متضمن. لقد عانت إيران، مثل بقية العالم، على مدى العقد الماضي من تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008، بما في ذلك انهيار أسعار النفط العالمية. ويرجع اتساع فجوة التفاوت الاجتماعي، وما يرتبط بذلك من دافع البرجوازية للتراجع عن تدابير الرعاية الاجتماعية التي تم تقديمها في أعقاب الثورة، إلى أواخر العقد التاسع من القرن الماضي على الأقل.

ولكن، حتى لو تركنا كل ذلك جانبا، فإن السؤال يظل قائما: كيف استجابت الجمهورية الإسلامية للحصار والعقوبات؟ من خلال تسريع هجومها على الطبقة العاملة وتكثيف جهودها للتوصل إلى تسوية مع الإمبريالية.

وكانت إدارة أحمدي نجاد هي التي نفذت في عام 2010، في نفس اللحظة التي تصاعدت فيها المواجهة مع واشنطن، مطلب البرجوازية الإيرانية منذ فترة طويلة بإلغاء دعم أسعار السلع والخدمات الأساسية. وبعد أن اكتمل الآن الإلغاء التدريجي لإعانات الدعم، يسعى روحاني، خليفة أحمدي نجاد، إلى سحب المدفوعات الشهرية الضئيلة التي يتلقاها معظم الإيرانيين، 'كتعويض' عن التكاليف المتصاعدة باستمرار للخبز والبنزين والكهرباء وغير ذلك من الضروريات.

منذ البداية، كانت مساعي روحاني من أجل التوصل إلى حل دبلوماسي للنزاع بشأن البرنامج النووي المدني الإيراني مقترنة بتكثيف 'الإصلاحات' الداعمة للسوق، بما في ذلك الإلغاء المقترح للقيود المفروضة على تسريح العمال وفصلهم من العمل. وأشار أيضاً إلى أن إيران ستساعد في 'استقرار' الشرق الأوسط الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة إذا تخلت واشنطن عن تغيير النظام في طهران.

بحكم موقعها الطبقي – وقبل كل شيء تصميمها على حماية ممتلكاتها والحفاظ على موقعها المهيمن داخل إيران، بما في ذلك على مختلف الأقليات القومية والعرقية – فإن البرجوازية الإيرانية غير قادرة على تعبئة جماهير الشرق الأوسط مرة أخرى للإمبريالية والأنظمة العميلة لها.

ستتطلب مثل هذه التعبئة تطوير برنامج لحل المظالم الطبقية الأساسية للعمال والكادحين في الشرق الأوسط - لتوفير فرص العمل والخدمات العامة للجميع، والقضاء على بقايا الملاكين العقاريين، وتحقيق المساواة الاجتماعية من خلال مصادرة أملاك البرجوازية وشيوخ النفط، وفصل الدين عن الدولة، ومعارضة جميع أشكال الطائفية والقمع الوطني.

قبل أن ندرس بمزيد من التفصيل الظروف التي مكنت البرجوازية الإيرانية من اختطاف الانتفاضة المناهضة للإمبريالية في 1978-1979، ينبغي الإشارة إلى نقطة أخرى حول هجوم مظاهري على تروتسكي والثورة الدائمة. لقد قارن الستالينية والماوية بشكل إيجابي بالتروتسكية لأنهما، على عكس الأخيرة، 'قدرا' الحاجة إلى تعديل الاشتراكية لتتوافق مع 'الأذواق الوطنية'.

إن اعتراف مظاهري القومي اليساري بعلاقته بالستالينية لا يفاجئنا بأي حال من الأحوال. من الناحية السياسية، كانت الستالينية في مقام رد فعل قومي ضد ثورة أكتوبر. وكان شعارها 'الاشتراكية في بلد واحد' هو الرفض المباشر لبرنامج الثورة الاشتراكية العالمية الذي قامت عليه ثورة أكتوبر.

وبعيداً عن كونه أكثر 'عملية'، فإن البرنامج القومي الستاليني لم يكن قابلاً للتطبيق، كما أظهر مصير الاتحاد السوفييتي وجمهورية ماو الشعبية.

كان خضوع الطبقة العاملة الصينية والحزب الشيوعي لبرجوازية الكومينتانغ خلال الفترة 1925-1927 بداية خروج الثورة الصينية عن مسارها. وكان 'إضفاء الطابع الصيني' على الماركسية من قِبَل ماو، وتوجهه نحو حرب الفلاحين المطولة، بمنزلة تكيف عملي مع المذبحة التي تعرضت لها القاعدة البروليتارية للحزب الشيوعي الصيني على يد تشيانج كاي شيك. وفي ظل الظروف الاستثنائية التي خلقتها الحربين الصينية اليابانية والحرب العالمية الثانية، انتصرت جيوش ماو الفلاحية في نهاية المطاف.

ومع ذلك، فإن الطريق الوطني الصيني نحو الاشتراكية، الذي تضمن قيام الجمهورية الشعبية باتباع نسختها الخاصة من 'الاشتراكية في بلد واحد'، أثبت أنه، كما حذر تروتسكي والتروتسكيون الصينيون، طريق مسدود تاريخيا. في أواخر الثمانينيات، أشرف النظام الستاليني الصيني على استعادة الرأسمالية، ويحكم اليوم نيابة عن الأوليغارشية الرأسمالية الغنية التي تستغل الطبقة العاملة بلا رحمة.

يتبع


[2]

Leon Trotsky, “Introduction to the First (Russian) Edition,” The Permanent Revolution (London: New Park, 1962) p. 3.

[3]

Ibid, p.5.

[4]

Leon Trotsky, “The Chinese Revolution and the Theses of Comrade Stalin,” in Leon Trotsky on China (New York: Monad Press, 1976) p. 161.

Loading