العربية

برلين ترحب بالرئيس السوري الانتقالي وتُكثّف الحرب وحملة الترحيل

لو كان ثمة حاجة إلى مزيد من الأدلة على أن دعم ألمانيا للحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لا علاقة له بمحاربة الإرهاب أو القمع، فقد تجلّى ذلك في استقبال الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرعاء في برلين.

استقبلت القيادة الألمانية الزعيم الإسلامي والحاكم الفعلي للدولة استقبالاً حافلاً. ففي الصباح، استقبل الرئيس الاتحادي فرانك-فالتر شتاينماير (من الحزب الاشتراكي الديمقراطي) الشرع في قصر بيلفيو. ثم شارك في منتدى اقتصادي ألماني سوري في وزارة الخارجية، قبل أن يستقبله المستشار فريدريش ميرز في مقر المستشارية باحتفالات عسكرية وفي أجواء ودية للغاية.

إذا كان وصف 'الإرهابي الإسلامي' ينطبق على أي رئيس دولة في الشرق الأوسط، فهو ينطبق على محمد الشرع. تحت اسمه السابق، محمد الجولاني، كان أمير جبهة النصرة، التي كانت في البداية مرتبطة ارتباطاً وثيًقاً بتنظيم الدولة الإسلامية، ثم لاحقاً بتنظيم القاعدة. وقد صنّفت الأمم المتحدة التنظيم منظمةً إرهابيةً في وقت مبكر من عام 2013.

في العام نفسه، بايع الشرع في رسالة مصورة زعيم تنظيم القاعدة آنذاك، أيمن الظواهري. بعد ذلك، دعمت القاعدة ميليشياته في الحرب الأهلية السورية بالمقاتلين والأسلحة. ونفّذت جبهة النصرة العديد من الهجمات الدامية التي أسفرت عن مقتل عدد لا يحصى من المدنيين.

منذ أن وصل الشرع وميليشياته - التي أُعيد تسميتها إلى هيئة تحرير الشام - إلى السلطة في دمشق في نهاية عام 2024 بدعم من القوى الغربية، استمر العنف ضد الأقليات الدينية والمعارضين السياسيين دون هوادة. نشر موقع الاشتراكية العالمية على الشبكة تقارير موسعة حول هذا الموضوع. فقد سقط آلاف العلويين والدروز والمسيحيين ضحايا للإرهاب الإسلامي في ظل حكم الشرع. وقد أُجّلت زيارته الأولى إلى برلين، التي كانت مقررة في كانون الثاني /يناير، لانشغاله آنذاك بالإشراف على هجوم عسكري ضد القوات الكردية. ومع ذلك، يتم التقليل من شأن عنف النظام أو تجاهله بشكل ممنهج في وسائل الإعلام الغربية.

الأسباب وراء ذلك واضحة. تنظر دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى الحكام الجدد في سوريا كحلفاء استراتيجيين، ليس فقط للسيطرة على البلاد نفسها، بل كجزء من هجومها الأوسع في الشرق الأوسط. وكما في الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين والحرب ضد إيران، فإن الهدف هو إخضاع المنطقة بأكملها للسيطرة الإمبريالية، وتعزيز إسرائيل كقاعدة مركزية، والتحضير لحروب أوسع نطاقًا ضد روسيا والصين.

ترى الإمبريالية الألمانية أيضاً في هذا التصعيد فرصةً لتوسيع نفوذها في المنطقة. ففي المؤتمر الصحفي المشترك مع الشرع، اقترح ميرتز إنشاء مجموعة اتصال دولية لتنسيق إجراءات 'فتح' مضيق هرمز. وأعلن أن ألمانيا مستعدة 'للمساعدة' و'للمساهمة في حرية الملاحة'.

هذه الصياغة مضللة عمداً. في الواقع، لا يتعلق الأمر بـ'المساعدة'، بل بالسيطرة العسكرية على أحد أهم طرق التجارة في العالم. بعبارة أخرى، تحت ذريعة تأمين الملاحة، تُعدّ الحكومة الألمانية لاحتمال نشر قواتها.

اتضح مدى الدعم السياسي للحرب بالفعل من خلال تصريح وزير الخارجية يوهان فاديفول عقب اجتماع مجموعة السبع في نهاية الأسبوع الماضي. ففي مقابلة مع قناة ARD، صرّح علناً بأن ألمانيا تشارك الولايات المتحدة هدفها الحربي المتمثل في 'احتواء إيران وتقييدها'. وبذلك، أضفى الشرعية صراحةً على حرب العدوان غير الشرعية، التي أودت بحياة آلاف المدنيين، بمن فيهم أكثر من 150 تلميذة في مدينة ميناب الإيرانية.

ثمة سبب آخر للصمت حيال جرائم النظام السوري يكمن في الأجندة الداخلية للطبقة الحاكمة. فالحكومة الألمانية تُعدّ لعملية ترحيل جماعي للاجئين السوريين. وقد دعا ميرتز إلى 'خيار عودة موثوق'، وأعلن أنه خلال السنوات الثلاث المقبلة، سيتم ترحيل قرابة 80% من السوريين المقيمين في ألمانيا إلى بلادهم الأصلية. ولتحقيق هذه الغاية، سيتم تشكيل 'فريق عمل' مشترك، كما تم التخطيط لزيارة وفد إلى دمشق في الأيام القادمة.

تُجسّد هذه السياسة بشكل مباشر التحريض العنصري لحزب البديل من أجل ألمانيا، وتُظهر أن السياسة الرسمية للحكومة الألمانية تتخذ أشكالاً رجعية واستبدادية متزايدة.

وقد وجّه ممثلو حزب اليسار وحزب الخضر انتقادات متفرقة رداً على التعاون الصريح للحكومة الألمانية مع نظام إسلامي. إلا أن هذه الانتقادات سطحية تضمنت نفاقاً. فكلا الحزبين يتحمل مسؤولية النهب الإمبريالي لسوريا والشرق الأوسط برمته.

لقد دعموا سياسياً ودعائياً الميليشيات الإسلامية، واحتفلوا بإسقاط نظام الأسد باعتباره 'ثورة'. سافرت وزيرة الخارجية آنذاك، أنالينا بيربوك (من حزب الخضر)، شخصياً إلى دمشق لإقامة علاقات مع الحكام الجدد واستمالة الشرع.

كما أنهم يدعمون بشكل أساسي العدوان الإمبريالي في الحرب الدائرة ضد إيران. وقد رحّب رئيس حزب اليسار، يان فان آكن، علناً بمقتل القيادة الإيرانية، مصرحاً بأنه 'من الجيد' أنهم 'رحلوا' وأن 'يتعفنوا في جهنم'. لا تختلف هذه التصريحات كثيرًا في سخريتها وفظاعتخا عن الدعاية الحربية لحكومات واشنطن وبرلين وتل أبيب.

أظهر استقبال الشرع في برلين بوضوح ما هو على المحك حقاً: ليس الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو مكافحة الإرهاب، بل السلطة والنفوذ وفرض المصالح الإمبريالية بفظاظة - في الخارج عبر الحرب وفي الداخل عبر القمع والترحيل.

Loading