العربية

"نُظر إليها عالمياً على أنها ثورة". مقابلة مع المؤرخ ماثيو ستيوارت بمناسبة الذكرى الـ 250 لإعلان الاستقلال.

تحدث موقع WSWS مع ماثيو ستيوارت، المؤرخ والفيلسوف الذي استكشفت أعماله الجذور الفلسفية للتاريخ الأمريكي. ستيوارت هو مؤلف الكتب التالية: 'النبيل والهرطقي: لايبنتز، سبينوزا، ومصير الإله في العالم الحديث'؛ 'إله الطبيعة: الأصول الهرطقية للجمهورية الأمريكية'؛ 'تحرير العقل: الفلسفة الراديكالية، والحرب على العبودية، وإعادة تأسيس أمريكا'؛ و9.9-%: الأرستقراطية الجديدة التي ترسخ عدم المساواة وتشوه ثقافتنا.

تم تعديل المقابلة تعديلاً طفيفاً لتعزيز زيادة وضوحها.

توم ماكمان: ماثيو، أود أن أبدأ بسؤال طرحناه في ندوتنا الإلكترونية الأخيرة بمناسبة الذكرى الـ 250 لإعلان الاستقلال. إنه سؤال واسع النطاق، ولكنه في غاية الأهمية والراهنية: هل كانت هذه ثورة؟ إنها تُهاجم بطرق غريبة، من اليمين ومن ما يُسمى باليسار. ما الذي جعلها كذلك - ما الذي جعلها ثورة من وجهة نظر عملك؟

ماثيو ستيوارت: هذا سؤال رائع. ما أراه مثيراً للاهتمام هو أنه يبدو سؤالاً طُرح في العصر الحديث - أو ربما طُرح قبل قرن من الزمان. إذا كلفت نفسك عناء النظر إلى ما قاله الناس في ذلك الوقت، ليس فقط في الجمهورية الجديدة، بل في بقية أنحاء العالم، فلا أعتقد أنه كان هناك أي شك في أنها كانت ثورة. لقد فُهمت عالمياً على أنها ثورة؛ ألهمت الناس كثورة، واستمرت في إلهام ثورات أخرى لا يشكك أحد في أنها ثورية - على سبيل المثال، انتفاضات عام 1848 في أوروبا.

إذن، إجابتي المختصرة هي أن للحدث جانباً ثورياً بالفعل. ولكن قبل الخوض في هذا الجانب، أعتقد أنه من المهم أيضاً إدراك التعقيد الذي يواجهه جميع المؤرخين. عندما نتحدث عن الثورة الأمريكية، فإننا نتحدث عن مجموعة محددة من الأحداث التي وقعت على مدى فترة زمنية. ما كان الأمر حدثاً واحداً، بل مجموعة من الأحداث المختلفة. لذا، إذا كانت هناك ثورة، فهذا ليس سوى جزء واحد منها؛ لا يُشترط أن تُفسر كل ما تلاها. في الواقع، كان الكثير مما تلاها ثورة مضادة، أو رفضاً لتلك الثورة.

ولكن ختاماً، نحن الآن في الذكرى الـ 250 لإعلان الاستقلال، وأعتقد أنه من المهم جداً أن نفهم أن هناك شيئاً يستحق الحفاظ عليه، شيئا مُنقذا للمشروع الأمريكي. إنه هذا الجانب الثوري من العملية - الذي لا يُحدد كل ما نتج عنها، ولكنه موجود، وله أهمية، وأحدث فرقا كبيرا في العالم.

تي إم: أتفق معك تماماً، وآمل أن تتاح لنا فرصة العودة إلى النقطة التي أثرتها للتو حول تراجع الثورة الأمريكية في بدايات الجمهورية، وصولاً إلى الحرب الأهلية. اسمح لي أن أقرأ مقطعاً من كتابك 'تحرير العقل' - الذي، بالمناسبة، أنصح به مشاهدينا دون تردد. هناك مقطع رائع في مقدمتك؛ سأقتبس منه جزئين. الحرب الأهلية:

يُفهم على أفضل وجه على أنها انتفاضة للعبيد بالوكالة تطورت بشكل طبيعي إلى حرب عمالية ثورية، وفي النهاية إلى نضال من أجل حقوق جميع البشر ضد حقوق الملكية. على الرغم من تقديرهم لنقائص وأخطاء الجيل الأول من الثوار الأمريكيين، فقد رأى دوغلاس ولينكولن و[ثيودور] باركر أنفسهم حتى آخر نفس أبطالاً للثورة الأمريكية وإعلان جيفرسون للاستقلال، لأنهم كانوا كذلك بالفعل.

ثم تابعت:

يفترض هذا الكتاب أن للأفكار أهمية بالغة، وأنها ترسم مساراً واضحاً عبر فوضى التاريخ البشري. تبدأ الحبكة برؤية فلسفية جذرية نشأت في أوائل العصر الحديث في أوروبا، واستمدت قوتها الأولية من تفاعلها مع شعوب وظروف العالم الجديد. وقد تجلّت هذه الرؤية الجذرية بشكل عملي محدود في الثورة الأمريكية الأولى، ثم في الثورات اللاحقة، لا سيما في فرنسا وهايتي. وفي الجمهورية الأمريكية الناشئة، تضاءل تأثيرها تحت الضغط المتزايد لأوليغارشية ملاك العبيد المعادية للثورة. ومع ذلك، أُعيد إحياء الحلم وصياغة أفكاره في مقاهي وقاعات الدراسة في ألمانيا وأماكن أخرى في أوروبا، في سياق ثورات عام 1848. وبعد أن مُني بالهزيمة هناك في أعقاب النزعة الرجعية، هاجرت عائدة عبر المحيط، غالباً بلا مال، لكنها ظلت متقدة بطموح إعادة تأسيس الجمهورية الأمريكية وثورتها الثانية.

مقطع استثنائي - تفسير شامل للتاريخ. هل تود أن تصف منهجك هنا؟

م س: من المثير للاهتمام، عند قراءتي لما كتبته، ألمس فيه النزعة المثالية، والتركيز على أهمية الأفكار. لذا، تحسباً لأي رد على ذلك، أود التأكيد على أنني أميل إلى المادية في طريقة تفكيري في هذه الأمور، وفي منهجي الأساسي.

لنبدأ بالجزء الأول من الثورة الأمريكية - أقول 'جزء' لأنني سأجادل أيضاً بأن الثورة الثانية، الحرب الأهلية، كانت في الواقع استمراراً للمشروع. بدأ هذا الجزء الأول بتغيير جذري في تجربة وظروف السكان المستعمرين في القارة الأمريكية. ما نراه هو مساحات شاسعة من الأراضي، وارتفاع هائل في قيمة العمل. هذا نسبي - من الواضح أنه ليس أمراً عالمياً، فقد كان المجتمع لا يزال طبقياً - لكن بالمقارنة مع العالم الأوروبي الذي أتى منه المستعمرون، كانت تجربة جديدة. كان الأمر جديداً أيضاً في التعامل مع السكان الأصليين، الذين كانت لهم أشكال وهياكل مختلفة، ولكن أيضاً اختلاف مادي كبير. لذا فإن التجربة الأساسية للمساواة والاستقلال، بالنسبة لجزء من السكان على الأقل، كانت أساسية للمشروع الثوري.

عملت النخب التي سيطرت على الثورة في نهاية المطاف – وهي التي قادتها ونظمتها - في ظل ذلك الواقع. أحياناً ضده، لكن كان عليها أن تتصدى له. لهذا السبب، اخترت في كتابي عن الثورة الأمريكية، 'إله الطبيعة'، أن أركز بشكل كبير على قصص إيثان ألين وتوماس يونغ - وهما شخصان مثلان ما كان يُطلق عليه الطبقة المتوسطة، أو الطبقات الاقتصادية الدنيا، ونالا حرية جديدة، وناضلا ضد ما اعتبراه في كثير من الأحيان قمعاً محلياً - ملاك الأراضي في نيويورك الذين منعوهما من الاستفادة من الأراضي المتاحة، وما إلى ذلك. لذا، أعتقد أن هذه الثورة الأمريكية الأولى قامت على أساس مساواة معين نميل إلى إغفاله.

عملت النخب التي سيطرت على الثورة في نهاية المطاف – وهي التي قادتها ونظمتها - في ظل ذلك الواقع. أحياناً ضده، لكن كان عليها أن تتصدى له. لهذا السبب، اخترت في كتابي عن الثورة الأمريكية، 'إله الطبيعة'، أن أركز بشكل كبير على قصص إيثان ألين وتوماس يونغ - وهما شخصان مثلان ما كان يُطلق عليه الطبقة المتوسطة، أو الطبقات الاقتصادية الدنيا، و نالا حرية جديدة، وناضلا ضد ما اعتبراه في كثير من الأحيان قمعاً محلياً - ملاك الأراضي في نيويورك الذين منعوهما من الاستفادة من الأراضي المتاحة، وما إلى ذلك. لذا، أعتقد أن هذه الثورة الأمريكية الأولى قامت على أساس مساواة معين نميل إلى إغفاله.

هذا هو الجزء الأول من القصة. أما الجزء الآخر، فهو أن جميع المشاركين، بمن فيهم النخب، اضطروا حقاً إلى البحث عن أساس جديد للحكم. لقد فهموا اللاهوت السياسي السائد للبشرية حتى ذلك الحين - وهو وجود نظام طبيعي للتبعية في العالم البشري عكس تسلسلاً هرمياً إلهياً - وأدركا ضرورة التخلص منه. علموا أنهم بحاجة إلى أساس جديد لفهمهم السياسي، ووجدوه. كانوا على قدرٍ كافٍ من المعرفة والقراءة والفكر للقيام بذلك. وهكذا، قام أشخاص مثل توماس باين وتوماس جيفرسون، وهما شخصيتان مثيرتان للاهتمام، بوضع نظرية المساواة الجديدة.

لقد كانت ثورية بمعنى مادي لا يُقدّر حق قدره اليوم - سأذكر حقيقة واحدة: كان كارل ماركس معجباً بشكل خاص بمؤسسي أمريكا. اعتقد أنهم حققوا شيئاً رائعاً. كان مولعاً بشكل خاص بأبراهام لينكولن، وأعتقد أن ذلك لأنه رأى في ذلك المشروع الثوري شيئا تحررياً لشرائح واسعة من المجتمع.

تي إم: أعتقد أنه من الجيد أن تُشير إلى المسألة المادية، والتاريخ الملموس، لأن تلك الفقرة قد توحي بأنك تتعامل مع الأفكار فقط، ولكن في الواقع هناك اهتمام حقيقي في هذه الكتب، في كتاب 'إله الطبيعة' وكذلك 'تحرير العقل'، بمسألة الثروة والملكية. وأقول إن هذا الأمر ذو أهمية بالغة الآن، في الذكرى الـ 250 للتأسيس، بالنظر إلى الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية في الولايات المتحدة وغيرها.

م س: نُشر كتاب 'إله الطبيعة' عام 2014، لكنني انتهيت منه فعلياً حوالي عام 2012، وكنتُ وقتئذ مُدركاً ومُتنبهاً خطر النزعة القومية المسيحية في الولايات المتحدة المعاصرة. إلى حدٍ ما، صُمِّم الكتاب كترياقٍ لذلك - أردتُ استعادة الثورة الأمريكية، وانتزاعها من أيدي الرجعيين الذين يريدون رؤيتها كاحتفالٍ بتقاليد ثقافية مُحددة، مُتعصبة وضيقة الأفق، كما يُزعم. أردتُ إعادتها إلى مسارها التقدمي - فالثورة مهمة، وهي مهمة كقضية تقدمية، لا كقضية رجعية. لكن عليّ أن أقول إنني لم أكن مُتبصرًا تمامًا - لم أتوقع مدى انتصار القومية المسيحية والرجعية مرة أخرى في الولايات المتحدة خلال الاثني عشر عامًا الماضية منذ نشر الكتاب. لذا، أعتقد أن هذا يجعله أكثر أهمية، لكن ليس بالطريقة التي كنتُ أتمناها.

تي إم: صحيح. والعنصر الآخر الذي أعتقد أنه فاجأ الكثيرين هو أن الثورة الأمريكية تعرضت أيضاً لهجومٍ مما يُسمى أحياناً باليسار الأمريكي. صحيفة نيويورك تايمز، الصحيفة الرئيسية لليبرالية الأمريكية، قادت هذا التوجه - أو يمكن القول إنها جمعت الكثير مما ردده بعض من يُطلقون على أنفسهم اسم اليساريين منذ فترة حول الثورة الأمريكية، ثم قامت بتلخيصه والترويج له. كانت الفكرة الأساسية هي أن الثورة الأمريكية كانت ثورة مضادة شُنّت للدفاع عن العبودية. ربما يمكنك التعليق على ذلك. أحد الأمور التي تبادرت إلى ذهني مراراً هو أن الأمر، ظاهرياً، يبدو وكأنه تحالف سياسي غريب - لأن كلا طرفي هذا النقاش، القوميين المسيحيين وما نسميه اليسار الزائف، اتفقا على ماهية الثورة الأمريكية: أنها كانت حدثاً رجعياً أو محافظاً. يُضفي أحدهما عليها طابعاً إيجابياً، بينما يُضفي الآخر عليها طابعاً سلبياً، لكن التفسير ليس مختلفاً جوهرياً - فقد أسست جمهورية بيضاء مسيحية.

م س: اطلعتُ على بعض المقالات التي نشرتها حول مشروع 1619، وقد أعجبتني كثيراً، إذ تناولت العديد من القضايا المهمة المتعلقة بهذا المشروع، الذي أعتبره بصراحة فكرة سيئة وتاريخاً كارثياً.

دعني أعود إلى ما ذكرته في البداية: لو عدنا إلى الوراء وحاولنا فهم السياق كما فهمه الناس في ذلك الوقت، لكان هذا الاقتراح سخيفاً للغاية. كلا التفسيرين، الرجعي وما تسميه، عن حق، التفسير اليساري الزائف، سخيفان، لأنهما يقولان في جوهرهما إن الأمر برمته مجرد خطاب، غطاء للبنية القائمة - إما أن تحب هذه البنية، أو تفوق العرق الأبيض أو تفوق المسيحية فيها، أو تكرهها، ولكن في كلتا الحالتين، هي مجرد استمرار للشيء نفسه.

ما يُثير استيائي بشكل خاص هو أن الولايات المتحدة خاضت في القرن التاسع عشر صراعاً هائلاً - الحرب الأكثر دموية في تاريخها - ومع ذلك ألغت العبودية. نعلم أن هذا الإلغاء لم يكن فعالاً تماماً، بمعنى أنه أدى إلى ظهور أشكال أخرى من الاستعباد، لكنها خاضت عملية تحرير، وكان كل من شارك بجدية في هذه العملية يُدرك أن قوى التحرير استلهمت الثورة الأمريكية وإعلان الاستقلال.

سأذكر ثلاثة أمثلة ركزت عليها في كتابي. أبراهام لينكولن - من المعروف أنه لم يكن يُحب جيفرسون، لكنه عندما كتب إلى الجمهوريين في ماساتشوستس عام 1859، قال: 'كل التقدير لجيفرسون' - لأنه هو من وضع حجر الأساس لمقاومة الاستبداد. لذا، فإن دور لينكولن في حركة مناهضة العبودية متجذر بقوة في الثورة الأمريكية. فريدريك دوغلاس - القصة نفسها تماماً. جميعنا نعرف خطابه الشهير 'ماذا يمثل الرابع من يوليو للعبد؟'، ولكن إذا قرأت الخطاب بتمعن، ستجد أنه نقدٌ لاذعٌ للنفاق الأمريكي. فهو استند في جوهره إلى مُثُل إعلان الاستقلال، الذي يُطلق عليه 'الرابطة الأساسية للحرية الأمريكية'. ثم يأتي دور ثيودور باركر، الأقل شهرةً اليوم، ولكنه في رأيي شخصية محورية في عصره. بدأ مسيرته كشخصية غير سياسية إلى حدٍ كبير، بل يُمكن القول إنه كان رجعياً، لكنه سرعان ما تحوّل إلى مُناضلٍ شرسٍ ضد العبودية. قال بوضوحٍ تام: لقد تأسست أمريكا على مبدأ المساواة هذا، على هذا الإعلان الذي يمنحنا جميعًا حقوقًا متساوية، واتضح لاحقاً أنه كان نفاقاً، وأنه لم يكن يعني سوى الحرية للرجل الأبيض - ولن ننجح كأمةٍ حتى نُدرك أن الحرية حقٌ للجميع.

هؤلاء هم الذين ناضلوا ضد العبودية، وبذلوا تضحياتٍ جسيمةً في سبيل مكافحتها، وانتصروا. أما إذا قلنا إن الثورة الأمريكية لم تكن سوى استمرار للعبودية، فإننا بذلك نتجاهل أفضل جزء، الجزء الأكثر إشراقاً وإلهاماً في التاريخ الأمريكي، وهو الجزء الذي نحتاج إليه بشدة الآن في نضالاتنا المستمرة من أجل التحرر. لماذا نتجاهل هذا الجزء؟

فيما يتعلق بالسياسة المعاصرة، أحب أن أعتبر نفسي أكتب التاريخ والفلسفة - فهذه المواضيع شيقة في حد ذاتها - وأريد أن أعرض الحقائق ليستند إليها الناس. لستُ منخرطاً في جدل سياسي فحسب. لكن الطريقة التي أرى بها التاريخ وهو ينعكس على الحاضر: هناك رجعيون من اليمين يحاولون استغلال هذه الثورة كأسطورة أخرى من أساطير العصر الذهبي لجمهورية رجعية قائمة على أساس عرقي. ثم هناك من يُسمّون أنفسهم يساريين، لكنهم في الواقع يحافظون على نوع من الامتيازات القائمة على الهوية، متجاهلين الجانب من الثورة الذي قد يُحدث فرقاً حقيقياً لقضاياهم. يُثير هذا الأمر غضبي، لأنه من المُحبط رؤية هذا الكم الهائل من التاريخ الأمريكي يُهمل ببساطة، وكأن الأمر كله مجرد عبودية وصراع عرقي، فلا أمل. وكأننا يجب أن نتخلى عنه تماماً. أعتقد أن هذا خطأ فادح - وكان هذا، بطريقة ما، الدافع المعاصر لتناول هذا الموضوع.

ت م: النقاط التي ذكرتها للتو تُثير تساؤلات كبيرة. أحد الأمور التي تثير دهشتي هو أن كل من يرفض الثورة الأمريكية اليوم، لأي سبب كان، لديه مشكلة حقيقية مع إعلان الاستقلال، بسبب نصه - فهو يُعلن المساواة، ويُعلن أيضاً الحق في الثورة ضد الاستبداد. أعتقد أن كتابك عن الثورة الأمريكية يُجسد الأصول الفلسفية الراديكالية لهذا المحتوى.

إحدى طرق تناول النقاش - وأعلم أن لديك اهتماماً خاصاً بالفلسفة - هي أنني أفهم، على سبيل المثال، أن بيتر ثيل، الملياردير الذي يدعم جيه. دي. فانس، يُعد شخصية بارزة فيما يُسمى بالتنوير المظلم. إنهم في الواقع يُوجهون سهام نقدهم إلى التنوير وفكرة المساواة بين البشر مرة أخرى. ومن جهة أخرى، هناك تيارات فلسفية تُقدم نفسها على أنها راديكالية، لكنها في الوقت نفسه ترفض العقل والتنوير.

دعني أقرأ لك مقطعاً آخر أثار دهشتي، من كتاب 'تحرير العقل':

أدى التفاوت الشديد، كما هو الحال في العديد من السياقات الأخرى عبر التاريخ، إلى حالة من عدم الاستقرار العميق لم يكن من الممكن حلها إلا بالعدوان. وكان صعود الطبقة الأرستقراطية الجديدة وما نتج عنه من نزعة توسعية القوة الدافعة للسياسة الأمريكية خلال العقود التسعة الأولى من عمر الجمهورية الأمريكية.

وتابعت:

تحدث مالكو العبيد، مثل ورثتهم الأيديولوجيين اليوم، كلاماً معسولاً عن الحكومة المحدودة، ولكن عندما تعلق الأمر بإنفاذ حقوق الملكية التي فضلوها، طالبوا بإعانات عامة وحكومة بلا حدود... [و]كانت السيطرة على اقتصاد الجنوب، وبالتالي على الحياة العامة الوطنية، في أيدي 0.1% من أغنى شريحة من السكان، ممن لديهم توزيع غير عادل للثروة. وسرعان ما اكتسبت هذه الأوليغارشية الجديدة عادات فكرية وجسدية ميزت الطبقات الأرستقراطية منذ العصر البرونزي - زمرة اشتهرت بغطرستها وتهورها وميولها العنيفة وقواعد الشرف السخيفة، وما إلى ذلك.

لقد أشرت في مكان ما إلى أن عدم المساواة هو، في نهاية المطاف، منافٍ للعقل. أعتقد أن هذه نقطة بالغة الأهمية، وربما تودّ التوسع فيها وتوضيح الروابط بين تلك الفترة السابقة والحاضر.

م.س.: لقد ألّفتُ كتاباً آخر بعنوان 'الـ 9.9 بالمئة'، ورغم أن عنوانه يوحي بأنه يركز على شريحة واحدة من المجتمع الأمريكي، إلا أنه في جوهره يدور حول تأثير التفاوت الاقتصادي على قدرة الإنسان على التفكير المنطقي. وقد برزت هذه الحجة لي أثناء دراستي للتاريخ الأمريكي، وهي ترتبط ارتباطًا وثيقاً بتعليقاتك السابقة حول التفسير العرقي للتاريخ.

أودّ التأكيد على جانب التفاوت الاقتصادي في النضال ضد العبودية، ليس لأن العرق غير ذي صلة، بل لأنني، إلى جانب شخصيات مثل فريدريك دوغلاس، أرى أن المسائل الاقتصادية مترابطة ترابطاً وثيقاً بالمسائل العرقية، بل وأكثر جوهرية منها. ما أود التأكيد عليه هو أن صعود جمهورية العبيد في أمريكا في القرن التاسع عشر هو في الغالب قصة صعود الأوليغارشية - وهي مجموعة من الأشخاص ذوي المصالح المالية، الذين يستخدمون الحكومة كأداة لتركيز تلك المصالح، مما يمنحهم بدوره سلطة غير متناسبة، الأمر الذي يشوه بدوره تفكير كل فرد في المجتمع، ويخلق هذه الديناميكيات الرهيبة والمدمرة.

لأكون أكثر شمولية -وأعتذر عن هذا التعبير المبالغ فيه- أعتقد أن هذه هي قصة التاريخ البشري في معظمها. فمنذ العصر البرونزي، واجه البشر صعوبة بالغة في حكم أنفسهم، ويعود ذلك أساساً إلى ابتكارهم أنظمة وقوانين وهياكل تهدف إلى تحقيق التوزيع العادل والتماسك الاجتماعي، إلا أنها سهلة التلاعب، ودائمًا ما تُستغل. وهذا يؤدي إلى تركز مفرط للسلطة، وهذا التركز للسلطة الاقتصادية أو المادية، عبر التاريخ، يُنتج دائماَ عبثية. ويحدث ذلك لسببين بسيطين. أولاً، هناك فئة قليلة من الناس تمتلك قدراً هائلاً من السلطة، ولها مصلحة راسخة في تضليل الجميع وتشويه الحقائق -وهذا واضح جلياً في عالمنا المعاصر، فلا داعي للإطالة. ثانياً، هناك مجتمعٌ تُحركه ظروف مادية غير عقلانية، منخرط في منافسات تُنسب ظاهرياً إلى الصالح العام، لكنها في الواقع مُضرة أو عبثية. كما أنهم يتعرضون لتجارب تُؤدي بهم إلى سوء فهم الطبيعة البشرية. عندما يكون بعض الناس أغنى بألف مرة من غيرهم - وبالمناسبة، لقد تجاوزنا هذه المرحلة بكثير الآن - يبدأ الناس أيضاً في تخيل أن بعض الناس أذكى بألف مرة من غيرهم، ويستنتجون استنتاجات حول مدى سهولة أو صعوبة الحياة.

كل هذا يُنتج حالةً عميقةً من اللاعقلانية، ومصدراً للصراع. فهو يخلق مجتمعاً يسهل التلاعب به، وفئةً أصغر حجماً شديدة الحرص على التلاعب. هذا يحدث عبر التاريخ - وقد أشار العديد من المحللين إلى هذه النقطة؛ سأستشهد بكارل ماركس مرةً أخرى: الوعي ينشأ من الظروف المادية، وليس العكس. أعتقد أن هذا هو جوهر قصة العبودية في أمريكا.

كان هناك نظام عبودية اعتقد العديد من المؤسسين أنه لن يستمر - ربما كان بعض ذلك مجرد كلام خدم مصالحهم الشخصية، لكنني أعتقد أن معظمهم آمنوا حقاً بأنه في طريقه إلى الزوال. ثم حدثت تطورات حاسمة - تكنولوجية، مثل محلج القطن، وأنواع جديدة من القطن - بالإضافة إلى صفقة لويزيانا والتوسع غرباً، الأمر الذي غيّر الاقتصاد جذرياً. فجأةً، ينتقل المرء من زراعة التبغ والأرز ومحاصيل أخرى إلى زراعة القطن فقط. كان هذا أمراً لم يتوقعوه، لكن هذه التغييرات أدت إلى ظهور الأوليغارشية، والطبقة الدنيا التي تحتها - الطبقة البيضاء الدنيا، والسكان المستعبدون، وسكان الشمال - جميعهم عالقون في صراعات لم يتمكنوا من حلها إلا، في النهاية، من خلال صراع دموي هائل.

ت.م.: عرضٌ شيّق. أودّ أن أسألك عن تأثير الفلسفة الراديكالية الألمانية، وهو ما أعتبره أحد أكثر جوانب هذا الكتاب إثارةً للدهشة، إذ يضمّ قائمةً طويلةً من الأسماء: هيغل، فيورباخ، فون هومبولت، ماركس، وغيرهم الكثير، حتى جورج إليوت وأوتيلي أسينغ. أنت تُقدّم حجّةً لم أقرأها من قبل، على حدّ علمي، وهي أن الفلسفة الراديكالية الألمانية أثّرت في فريدريك دوغلاس. كما تُقدّم حجّةً مماثلةً للينكولن. هل يُمكنك أن تُحدّثنا عن ذلك؟

م.س.: بدايةً، اسمح لي أن أُنفي أيّ ادّعاءٍ بالأصالة، فهناك دراساتٌ سابقةٌ تناولت بعض هذه التأثيرات، لكنّها لم تحظَ بالاهتمام الذي تستحقّه، لذا آمل أن أكون قد سلّطت الضوء عليها.

أودّ أن أُشير إلى نقطةٍ هامّةٍ حول الثورتين الأولى والثانية، وهي أن القادة السياسيين الأمريكيين تمتّعوا بثراءٍ فلسفيّ كبير، إذ كانوا واسعي الاطلاع، مُستندين إلى مصادرَ متنوّعةٍ للغاية، وذوي فكرٍ عميق. من المهم حقاً للأمريكيين أن يطلعوا على ما قرأه جيفرسون ولينكولن، وأن يفهموا من أين استقوا أفكارهم، لأنها غنية ومثيرة للاهتمام للغاية.

أما فيما يخص التأثير الألماني تحديداً: فقد انبثقت الفلسفة الألمانية من وضع معقد للغاية، أشبه ما يكون بالثورة. عقدت ألمانيا في مطلع القرنين الثامن عشر والتاسع عشر آمالًا كبيرة مع اندلاع الثورة الفرنسية، آمال سرعان ما تبددت مع انتصار الرجعية، لكن مع ذلك، كان هناك عدد كافٍ من الناس حاولوا الوصول إلى الحرية من خلال الفكر. ما ينبثق من ذلك السياق الأوروبي المركزي هو فكر بالغ التعقيد، ولكنه أيضاً فكر جذري للغاية بمجرد كشف الطبقات التي كانت تُخفيه وتسمح للناس بمواصلة حياتهم.

الأمر المثير للاهتمام حقًا هو أن الأمريكيين في ذلك الوقت كانوا مفتونين بهذا - فقد رأوا الألمان عميقين، جذريين، ذوي فكر ثاقب، وربما يُفاجئ هذا الكثيرين من اليسار - مُتحررين، وتقدميين بشكلٍ لا يُصدق. يُعد فيورباخ شخصية محورية هنا. يُنظر إلى هيغل عموماً على أنه محور الفلسفة الألمانية في ذلك الوقت، لكن تفسير إرثه صعبٌ نظراً لغموضه وجدليته - فهو يُقدم وجهة نظرٍ وأخرى، وكلتاهما تتكاملان في نوعٍ من التناسق. ينتمي فيورباخ بشكلٍ واضح إلى اليسار - إذ يقول بوضوح إننا بحاجة إلى تحرير أنفسنا من الخرافات التي حدّت من قدراتنا وجعلت من المستحيل إقامة جمهورية ديمقراطية حقيقية. اتضح أن هذا كان له تأثيرٌ كبير على فريدريك دوغلاس - من كان ليتوقع ذلك؟ لكن بعض الناس كانوا على درايةٍ به. أذكر هذا في المقدمة - فقد علمتُ من مصادر أخرى أنه قرأ لفيورباخ، وأن بعض أفكاره حول فيورباخ ظهرت في محاضراته عن التصوير الفوتوغرافي، وهو تطورٌ مثيرٌ للاهتمام بحد ذاته. لكن عندما قرأتُها، صُدمتُ حقاً، لأنه لم يكن مجرد اقتباسه لبعض الأفكار العامة، مثل قول فيورباخ إن الله هو جوهر الإنسان، وقول دوغلاس شيئًا مشابهاً، بل إنه التقط استعارات وعبارات محددة. حينها أدركتُ أن الأمر كان بالغ الأهمية بالنسبة له؛ لم يكن مجرد قراءة مقال في مجلة واستخلاص فكرة منه.

كان للكتب تأثير هائل، فقد أثرت أيضاً في شخصيات مثل ثيودور باركر وأبراهام لينكولن. أما الجانب الآخر من القصة، الذي أصفه في الكتاب، فهو المهاجرون. كانت هناك موجة هجرة ضخمة من ألمانيا، وهم مهاجرون، بالمناسبة، لعبوا دوراً محورياً في الجزء الأول من الثورة الأمريكية. ضمت ثورة بنسلفانيا عدداً كبيراً من الشخصيات من الجالية الألمانية، فإذا قرأتَ الصحف الألمانية في ذلك الوقت، ستجدهم يناقشون الاستقلال وكيفية التعامل مع الصراع مع بريطانيا العظمى. لكن الأمر كان أكثر أهمية في منتصف القرن التاسع عشر، عندما شهدت ألمانيا موجة هجرة كبيرة، تركزت في غالبيتها على النخبة المتعلمة. كان هناك عدد كبير من المهاجرين الاقتصاديين، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من اللاجئين المثقفين، الذين لعبوا دوراً بارزاً في الحياة الفكرية. فقد نشروا صحفًا مناهضة للعبودية، وانخرطوا بقوة في جيش الاتحاد. إنهم جزء لا يتجزأ من التاريخ، ومن الغريب أن هذا الجانب طواه النسيان.

بالعودة إلى أهمية الموضوع في الوقت الحاضر، يبدو أن هؤلاء الذين يتحدثون عن أمريكا الأصلية، حيث يقتصر الأمر على مجموعة من الإنجليز البيض الذين يعيشون على عاداتهم الإنجليزية، يجهلون تماماً التاريخ الأمريكي. فلو نظرنا إلى التاريخ، لوجدنا أناساً من مختلف الخلفيات والأماكن شاركوا فيما نعتبره أحداثاً أمريكية مفصلية.

ت م: ربما يكون تصورهم أقرب إلى ما كان عليه المحافظون في عام 1776 في المستعمرات، والذين كان الكثير منهم...

م س: نعم، هذا صحيح. في الثورة الأمريكية الأولى، كان هناك بعض القساوسة والوعاظ الذين أيدوا الثورة، ولكن في المجمل، إذا كنت قساً ذا مكانة مرموقة في مدينة راقية مثل نيويورك، فمن المرجح أنك كنت من المحافظين، ومن المرجح أنك كنت ستستقل السفينة وتغادر. لذا، فإن فكرة أنها كانت ثورة مسيحية تبدو ضرباً من الجنون.

ت.م.: هناك أمر آخر أعتقد أن عملك شكك فيه، فيما يتعلق بقضية مناهضة العبودية، وهو أنه يُطرح عادةً أن كنائس الشمال كانت مهد حركة إلغاء العبودية، ومصدر الفكر المناهض لها، وأنت ترسم صورة مختلفة تماماً، لا سيما في تركيزك على ثيودور باركر، الذي أعتبره شخصية بالغة الأهمية لا تحظى بالدراسة الكافية هذه الأيام.

م.س.: من أنجح أساليب الدعاية في التأريخ الحديث الادعاء بأن حركة إلغاء العبودية كانت مدفوعة ومنظمة وموجهة من أجل مجد الكنيسة المسيحية الأمريكية والدين. هذا تحريفٌ كبير للحقائق. صحيحٌ أن هناك أفراداً داخل هذه الكنائس حركهم دافع إلغاء العبودية، وأن بعض الكنائس الإنجيلية الأولى أصدرت بيانات مناهضة للعبودية، وأن بعض دعاة إلغاء العبودية الأوائل استندوا باستمرار إلى الدين كمصدرٍ لإلغاء العبودية. ولكن في سياق الأمور، سيخبرك دعاة إلغاء العبودية أنفسهم، إذا قرأت ما كتبوه، أن أكبر عقبة واجهوها كانت الكنيسة الأمريكية. انتهى المطاف بجميع الأديان، بما فيها تلك التي عارضت العبودية في البداية، إلى التوافق مع نظام الرق، بل وأصبحت من أبرز الداعمين له. لذا، أدرك دعاة إلغاء الرق مبكراً ضرورة الانفصال عن الكنائس. كان مشروعهم الأولي محاولة استخدام الدين لإقناع الناس بخطأ العبودية، ثم أدركوا أن هذا الأسلوب لم يُجدِ نفعاً، بل إنهم عندما توجهوا إلى الكنائس لعرض هذه المزاعم، قوبلوا بالرشق بالحجارة وطُردوا من المدينة.

وهكذا، اتضح أن الكنيسة، في جوهرها، داعمة لنظام الرق أو متواطئة معه. انفصل معظم دعاة إلغاء الرق الإنجيليين الأوائل، صحيح أنهم لعبوا دوراً في العقدين الرابع والخامس من القرن التاسع عشر في إطلاق بعض حركات إلغاء الرق، لكن سرعان ما فقد الكثيرون منهم الاهتمام، أو انخرطوا في مشاريع روحية أخرى. بحلول عام 1860، أعلن فريدريك دوغلاس، الذي كان آنذاك أحد أبرز قادة الحركة، أن الجناح الإنجيلي المؤيد للكنيسة في حركة إلغاء العبودية قد انتهى فعلياً. في المقابل، أدرك هؤلاء المناصرون لإلغاء العبودية أن الكتاب المقدس والكنائس والدين لا يجدون نفعاً، فأصبحوا ملحدين، معلنين صراحةً أنهم ليسوا من أتباع المسيحية، أو أنهم يبحثون عن نوع من المسيحية الليبرالية التي تسمح لهم بإعادة تفسير الكتاب المقدس بما يتوافق مع أفكارهم الأخلاقية. لسوء حظهم، زاد ذلك الأمور سوءاً، لأن قوة الدين عظيمة لدرجة أنهم، بعد وصمهم بالملحدين، أصبحوا غير مرغوب فيهم، ومدانين في كل مكان. وهكذا، باتت حركة إلغاء العبودية مرادفةً للإلحاد الديني.

إذن، فإن قصة حركة إلغاء العبودية، كما يفهمها معظم الأمريكيين – حول مجموعة من الأشخاص الطيبين الذين يؤمنون بيسوع والإنجيل ويقولون إن العبودية خطأ - هي صورة غير دقيقة على الإطلاق. إنها صورة لجزء صغير منها، تغفل حقيقة الصورة الأكبر. ثم هناك دور اللاهوت المؤيد للعبودية في دعم نظام الرق. نقطتان سريعتان، لتجنب الإطالة: أولاً، الأمر ليس صراعاً بين الشمال والجنوب. يتصور الكثيرون أن اللاهوت المؤيد للعبودية هو مجرد دعاة جنوبيين يتقاضون أموالاً من أسياد العبيد للترويج له. كلا - كان قادة الكنائس الشمالية مؤيدين للعبودية بشكل ساحق، أو على الأقل مؤيدين للمصالحة، والتعايش مع إخواننا في الجنوب - أي إخوانهم البيض - وإدامة النظام.

النقطة الثانية الحاسمة هي أن اللاهوت أُخذ على محمل الجد، وكان يُفهم بشكل ساحق أنه دعم قضية العبودية. بينما نعتبر اليوم أن الدين يجب أن يكون خيراً، وأن الكتاب المقدس يحثنا على محبة بعضنا بعضاً، كان الإجماع السائد بين العلماء والشعب آنذاك أن الكتاب المقدس لا يبرر العبودية فحسب، بل يزعم أنها الوضع الأمثل. ومن المثير للدهشة حقاً أن نقرأ هذه المصادر ونقارنها بنقاشات الثقافة الشعبية اليوم. أما من أسميهم باليسار الزائف، فهم يحصرون كل شيء في إطار العرق، متجاهلين القضايا الاقتصادية والدينية. هذا أشبه برواية قصة تفتقر إلى شخصيتين من أصل ثلاث - فماذا يتبقى؟ لم يعد الأمر منطقياً.

أود أيضاً أن أشير إلى حركة التنوير الظلامية، وكورتيس يارفين، وأمثاله. أعتقد أن التقدميين اليوم بحاجة إلى إدراك وجود معارضين للمساواة، وهؤلاء هم من يجب الانتباه إليهم. بالتأكيد، هناك منافقون يدّعون أن جميع الناس خُلقوا متساوين، ثم يمارسون التمييز ضدهم. لكن هناك أيضاً فئة كبيرة تقول ببساطة: لا، البشر ليسوا متساوين، ويبررون نظام القمع على هذا الأساس صراحةً. هؤلاء موجودون منذ الأزل، وهم جزء من التاريخ الأمريكي، لكن لا شيء مميز في أمريكا؛ فالتاريخ العالمي مليء بأناس يدّعون تفوقهم وحقهم في الحكم. إنهم يؤمنون بما يقولون، وهم في الحقيقة معادون للثورة. عادةً ما يتقاضون رواتبهم من أشخاص يكسبون أكثر منهم، وهم يمثلون مشكلة.

قام شخص مثل بيتر ثيل بفعل ما فعله علماء اللاهوت المؤيدون للعبودية في جنوب الولايات المتحدة. إنه لا يلوّح بإعلان الاستقلال بينما ينفذ مشروعاً عنصرياً أو قمعياً، بل يمزق إعلان الاستقلال، قائلاً إنه ببساطة غير صحيح، فالبشر ليسوا متساوين.

ت م: هذه نقطة رائعة حقاً، وفي كتابك أمثلة على دعاة العبودية الجنوبيين المتعصبين الذين نددوا بإعلان الاستقلال وفكرة المساواة.

لماذا لا نتحدث عن لينكولن بمزيد من التفصيل؟ وهذا يرتبط بما ذكرته عن الدين في فترة ما قبل الحرب الأهلية. لقد جمعتَ أدلة، وأنا أتفق معك فيها، تُشير إلى أن لينكولن لم يكن متديناً - بل وصفه أحد أصدقائه المقربين بالكافر – وختمت كتابك بسلسلة من الفصول التي حللت خطابه عند تنصيبه رئيساً للمرة الثانية. أخبرنا لماذا فعلت ذلك.

م س: أود حقًا أن يفهم الناس أن عالم لينكولن الفكري كان قريباً جداً من عالم الجيل الأول من مؤسسي أمريكا. لقد كان عضوًا فاعلًا في حركة التنوير الراديكالي، وتحديداً، كان مُعجباً بتوماس باين وقارئاً مُتعمقاً له، وكذلك لقسطنطين فرانسوا دي فولني، الفيلسوف الملحد الربوبي البارز من عصر التنوير الفرنسي، بالإضافة إلى مصادر أخرى وضعته في هذا العالم الفكري. كما كان يبحث عن طريقة لنشر هذه الفلسفة الراديكالية - التي اعتبرها مهمة لتحرير الشعب الأمريكي - دون إثارة ردود فعل غير ضرورية.

في خطاب التنصيب الثاني، أظن أنك أمام تحفة فنية في هذا النوع من التواصل. هناك جملة واحدة بالتحديد أركز عليها، وأعتقد أنني أستطيع تتبعها إلى مصادرها الأصلية - الأفكار التي كانت تدور في ذهن لينكولن أثناء كتابتها. بتعبير آخر: 'ربما يكون الله قد قرر أن صراع الحرب هو السبيل الوحيد للتغلب على العبودية، وأن السبيل الوحيد لتعويض كل قطرة دم أُريقت بالسوط هو قطرة دم أخرى أُريقت بالسيف'. يُشير هنا إلى الكتاب المقدس، لذا يبدو كلامه مقدساً - وإذا استمعت إلى أعضاء مجلس الشيوخ وهم يتحدثون عن هذا الخطاب، سيقولون، كما قال لينكولن، إنه كان مسيحياً حقيقياً، مؤمناً بالكتاب المقدس، لأنه قال أيضاً في ذلك الخطاب: 'كلا الجانبين قرأ الكتاب المقدس نفسه'. ولكن عندما تُمعن النظر في معنى تلك الجملة، يتضح أنه يتحدث عن إله الطبيعة. اللغة مستوحاة مباشرة من ألكسندر بوب، الذي تبرز قصيدته 'إله الطبيعة' بشكل لافت في الأدب الأمريكي - وهو شاعر إنجليزي يمكن تتبع فكره عبر عصر التنوير الفرنسي، مروراً بمؤسسي أمريكا، وصولًا إلى عصر التنوير في أوروبا في القرن السابع عشر، ووصولاً إلى شخصيات مثل سبينوزا. نجد هناك أفكاراً، بل وحتى عبارات، تقول في جوهرها: نحن وحدنا، نحن والطبيعة. يمكننا الحديث عن إله، لكن علينا أن نفهم أن هذا مجرد تفسير للوجود، للطبيعة - وإذا أردنا حل مشاكلنا، فعلينا أن نفعل ذلك بالعمل مع الطبيعة وقوانينها.

إنه خطاب عظيم. وضع لينكولن بقوة ضمن هذا التقليد الفلسفي الراديكالي. أعتقد أن مشروعه كان تحررياً في جوهره - يجب أن ننظر إليه كمناهض للعبودية، وكرئيس للطبقة العاملة، وهي النظرة التي نظر الناس إليه بها في ذلك الوقت، وأعتقد أنها صحيحة. بالتأكيد، قد تجد بعض النزعات العنصرية متداخلة، كما هو الحال مع أي سياسي في ذلك العصر، لكن لا ينبغي أن نغفل الدور المحوري الذي لعبه، وأعتقد أنه يُعتبر عن جدارة أعظم رئيس في تاريخ أمريكا.

وفي الختام، فريدريك دوغلاس، رغم تذبذب موقفه من لينكولن، إلا أنه في النهاية، وخاصة في سيرته الذاتية الأخيرة، لم يكتفِ بمعاملته كبطل عظيم، بل أشار تحديداً إلى هذا الخطاب وفسّره بالطريقة نفسها التي أفسّره بها. وللتوضيح، أنا أفسّره كما فسّره هو، لم أبتكر هذا التفسير، بل هو موجود في كتابات الآخرين.

ت إم: ربما تعلمون بإساءة استخدام خطاب دوغلاس في حفل تدشين نصب لنكولن التذكاري في واشنطن بعد سنوات من الحرب الأهلية، حيث قال دوغلاس إن لنكولن كان 'رئيس الرجل الأبيض'. يُقتبس هذا الكلام مراراً خارج سياقه، ولكن إذا قرأتم الخطاب كاملًا، ستجدون أنه انطلق من تلك النقطة ليقدم فهماً عميقاً ومُشيًًا بلينكولن ودوره في التاريخ.

إم إس: نعم، وهذا يظهر في سيرته الذاتية الأخيرة وفي خطابه في تدشن نصب لنكولن التذكاري، حيث قال باختصار: كان على لنكولن أن يعمل ضمن حدود عصره. لقد أراد السلطة، وكانت الطريقة المُثلى لنيلها آنذاك هي التوفيق بين الطرفين، مع وضع الهدف النهائي نصب عينيه بوضوح.

تي إم: ربما كسؤال أخير - أنا مُعجب باهتمامكم بالفلسفة الراديكالية العقلانية. في هذه الثلاثية، نبدأ بسبينوزا، ثم تعودون في بعض الأحيان إلى لوكريتيوس، الذي أعلم أن ماركس الشاب كان مُفتوناً به. ما هي برأيكم أهمية الفلسفة الراديكالية في التاريخ والحاضر؟

م س: أعتقد أنه من المهم فهم أن الأفكار هي طرق للفهم، وليست معتقدات، ولا عقائد، ولا أفعال إيمان. وبناءً على ذلك، أرى أن دور الأفكار في التاريخ ليس في منح الناس مجموعة من المبادئ أو العقائد التي عليهم قبولها ببساطة. ليس الأمر كما لو أن جيفرسون قرأ في كتابات لوك أن جميع الناس خُلقوا متساوين ثم قبل ذلك كعقيدة. بل إن أفعال الفهم التي تظهر في تلك النصوص تُزيل الأوهام والضلالات، وتُمكّن الناس من فهم وضعهم وعالمهم بشكل أفضل.

أعتقد أن هناك رغبة في تاريخ الأفكار في التعامل معها كجواهر صغيرة تُنقل من عقل عظيم إلى آخر. أقول بالأحرى إنها أشبه بقنابل يدوية صغيرة تُمرر، يستخدمها أحدهم لتفجير الأشياء، فيُزيل الفوضى، ويرى الأمور بوضوح أكبر. لهذا السبب لجأ فريدريك دوغلاس إلى الفلاسفة الألمان، فقد اكتسب فهماً أعمق للصراع الذي واجهه في الولايات المتحدة. أعتقد أن الأمر نفسه ينطبق على لينكولن وجيفرسون: فقد ساهمت أفكارهما في إزالة العقبات.

أظن أن لديّ فهماً علمانياً للتاريخ - علمانياً بالمعنى الزمني، لا بالمعنى المعادي للدين - إذ أن اللاهوت السياسي السائد للبشرية، طوال معظم تاريخها وحتى القرن التاسع عشر، والذي ينص على أن السلطة كلها تأتي من أعلى، وأننا لا نكون أخلاقيين إلا إذا تصرفنا وفقاً لمعتقدات ثابتة نؤمن بها إيماناً أعمى، كان شديد التماسك والانتشار لدرجة أنه تطلب جهداً فلسفياً هائلا لتغييره. وقد فعل إبيقور ذلك في العالم القديم - أعتقد أن ماركس كتب أطروحته عن إبيقور، أو بالأحرى عن لوكريتيوس وديموقريطس، لهذا السبب، لأنه انجذب إلى تلك العملية التحررية في العالم القديم. أعتقد أن هذا هو الدور الحقيقي للفلسفة.

أظن أنني أصبحت أقل علمانية، بمعنى أنني لم أعد أؤمن بوجود مسار محدد للتاريخ، في السنوات الأخيرة، لأننا تراجعنا بسرعة كبيرة لدرجة أننا ربما نحتاج الآن إلى منطق تحرري أكثر، لذا سألجأ إلى الفلسفة لهذا الغرض أيضاً. الفلسفة لا تُقنّن حقائق مطلقة أبدية، فليس هناك عالم للأفكار كما وصفه أفلاطون، هذا هراء. لكن ما تفعله هو أنها تُساعد على تحرير عقول الناس، وهذا بدوره له آثار ثورية.

سأسألك عما تعمل عليه الآن، لكن أردت أولًا أن أذكر أنني قرأت كتاب 'الـ 9.9 بالمئة' قبل بضع سنوات، وأردت أن أقول إن موقع الاشتراكية العالمية، حدد منذ فترة مشكلة جوهرية في السياسة الأمريكية، بل في السياسة العالمية، وخاصة في دول مثل الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، متجذرة فيما نسميه 'الـ 10 بالمئة'. جاء هذا الموقف كرد فعل على مفهوم 'الواحد بالمئة' الذي ساد خلال احتجاجات حركة 'احتلوا'، والذي خفت بريقه بعد فترة. يكمن جزء من المشكلة في أن هذا المفهوم تجاهل شريحة أوسع من السكان - ما نسميه 'العشرة بالمئة' - وهي في الواقع أساس ما يحرك، في رأينا، سياسات الهوية اليسارية الزائفة من جهة، وسياسات اليمين المتطرف من جهة أخرى. إنها شريحة متميزة، وليست طبقة الأوليغارشية التي تضم نحو 1200 ملياردير، بل هذه الشريحة المؤثرة التي تقع أسفلها. على أي حال، كان كتاباً مثيراً للاهتمام، لأنه سلط الضوء على بعض المشكلات الثقافية والفكرية التي تبرز مع هذه الشريحة من السكان - على الرغم من بروزها وتأثيرها في السياسة.

م س: للتوضيح فقط، انبثق هذا المشروع في الواقع من عملي في التاريخ الأمريكي. بدأتُ العمل على كتاب 'تحرير العقل' بعد انتهائي من كتاب 'إله الطبيعة' مباشرةً، حوالي عام 2013. وبينما كنتُ أُدرك أن الكتاب يتناول في جوهره الاقتصاد والصراع الاقتصادي على مستوياتٍ متعددة، أدركتُ أن هذا يُشبه تكراراً لما حدث سابقاً - هذا ما يحدث الآن. لذا، وضعتُ جانباً كتاب 'تحرير العقل' ومواد الحرب الأهلية/مناهضة العبودية، وكتبتُ كتاب '9.9 بالمئة'، ثم عدتُ وأنهيتُ الكتاب الآخر. إنها عملية غريبة، لكنني أقول هذا لأُشير إلى أن هذه الأمور، على الأقل في رأيي، مُترابطة ترابطاً وثيقاً.

سألتني عمّا أعمل عليه الآن. سيصدر في تشرين الثاني /نوفمبر كتاب 'كل ما تحتاج إلى معرفته: كيف تُحررك الفلسفة'. يُفترض أن يكون الكتاب مُقدمةً لتاريخ الفلسفة، لكن -لأن ذلك قد يكون مُملاً بالنسبة لي- ينتهي به الأمر إلى أن يكون مُختلفاً بعض الشيء. يرتبط هذا النقاش بما ذكرته للتو حول الدور التحرري للفلسفة، فهي وسيلة للتحرر الذهني، ولا يوجد منهج واحد لها، بل ثمة الكثير في التاريخ يمكننا الاستناد إليه والاستفادة منه في مسيرتنا المستقبلية. ويحتوي على صور أيضاً!

Loading